الصفحة 18 من 53

(أ) . من شرع غير ما أنزل الله تعالى:

قد تقرر- بداهة - وجوب إفراد الله تعالى بالحكم والتشريع {ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} [الأعراف، آية 54] ، فإذا كان الله تعالى هو المتفرد بالخلق والرزق والإحياء والإماتة لا شريك له في هذه الصفات، فهو سبحانه - أيضا - وحده المتفرد بالتشريع والتحليل والتحريم، فالدين لا يكون إلا ما شرعه الله تعالى، وليس لأحد أن يشرع شيئا ما جاء عن الله تعالى، ولا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فالتشريع حق خالص لله وحده لا شريك له. من نازعه في شيء منه فهو مشرك، لقوله تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} [الشورى، آية 21] .

يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: (أي هم لا يتبعون ما شرع الله لك من الدين القويم، بل يتبعون ما شرع لهم شياطينهم من الجن والإنس من تحريم ما حرموا عليهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وتحليل أكل الميتة والدم والقمار إلى نحو ذلك من الضلالات والجهالة الباطلة التي كانوا قد اخترعوها في جاهليتهم من التحليل والتحريم والعبادات الباطلة والأموال الفاسدة. [1] .

وسمى الله تعالى الذين يطاعون فيما زينوا من المعاصي شركاء [2] ، فقال سبحانه: {وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركآؤهم} [الأنعام، آية 137] . وقال عز وجل: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} [التوبة، آية 31] .

فهؤلاء الأحبار والرهبان الذين شرعوا غير تشريع الله تعالى كفار، ولا شك في كفرهم؛ لأنهم نازعوا الله تعالى في ربوبيته، وبدلوا دين الله وشرعه. [3]

وإذا كانت متابعة أحكام المشرعين غير ما شرعه الله، تعتبر شركا، وقد حكم الله على هؤلاء الأتباع بالشرك، كما قال سبحانه: {وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} [الأنعام، آية 121] [4] فكيف بحال هؤلاء المشرعين؟ ويقول عز وجل: {إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطؤوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله} [التوبة، آية 37] .

(1) تفسير ابن كثير 4/ 113.

(2) انظر: أضواء البيان للشنقيطي 4/ 83، 7/ 173.

(3) انظر: الشريعة الإلهية ص 179 - 182.

(4) انظر: تفسير ابن كثير 2/ 163، فتاوى ابن تيمية 7/ 70، أضواء البيان للشنقيطي 3/ 440.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت