الصفحة 37 من 53

(ح) . من خلال عرض الحالات السابقة الموجبة للردة، يظهر حكم المشرع - كما في الحالة الأولى - والحاكم بغير ما أنزل الله - كما في بقية الحالات - ويبقى موضوع المحكوم بتلك القوانين الطاغوتية، فإن كفره متعلق بقبوله لغير شريعة الله، ورضاه بها، إضافة إلى ذلك فإن متابعة هذا المحكوم وقبوله لغير الشريعة من خلال تحاكمه إلى غير ما أنزل الله تعالى، لا يخلو من امتناع عن قبول حكم الله وحده، أو تجويز للحكم بالطاغوت، وقد أمروا أن يكفروا به، أو تفضيل لحكم الطاغوت على حكم الله تعالى، أو التسوية بينهما ...

يقول الله تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا * وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا} [النساء، آية 60، 61] .

ومما قاله أبو السعود في تفسير هذه الآية: (التعجيب والاستقباح على ذكر إرادة التحاكم {إلى الطاغوت} دون نفسه(أي التحاكم) . للتنبيه على أن إرادته مما يقضي منه العجب، ولا ينبغي أن يدخل تحت الوقوع فما ظنك بنفسه؟ [1] .

كما دلت الآية على أن إرادة التحاكم إلى الطاغوت إيمان بهذا الطاغوت، ومن ثم فهو كفر بالله تعالى، حيث إن الله تعالى قد فرض على عباده الكفر بالطاغوت، والإيمان به تعالى، حيث قال سبحانه: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها} [البقرة، آية 256] .

ويقول عز وجل: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} [التوبة، آية 31] .

يقول ابن تيمية - في معنى هذه الآية: (هؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله يكونون على وجهين:

أحدهما: أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله، فيتبعونهم على التبديل، فيعتقدون تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله [2] اتباعا لرؤسائهم، مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل، فهذا كفر، وقد جعله الله ورسوله شركا - وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون لهم - فكان من اتبع غيره في خلاف الدين مع علمه أنه خلاف الدين واعتقد ما قاله ذلك، دون ما قاله الله ورسوله مشركا مثل هؤلاء.

(1) تفسير أبي السعود 1/ 724.

(2) مما يجدر التنبيه عليه هاهنا: أن هذا الاستحلال أو الجحود ليس تكذيبا باللسان فقط - كما هو عند المرجئة - فإن هذا الاستحلال أو الجحود يعتبر في حد ذاته كفرا، وإن لم يكن هناك متابعة أو طاعة لأولئك الأرباب، ومناط الكفر - هاهنا - هو القبول والمتابعة في هذا التبديل ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت