الصفحة 43 من 53

(ب) . أن ما قاله أبو مجلز رحمه الله للإباضية [1] ، كان جوابا عما أرادوه من إلزامه بتكفير الأمراء؛ لأنهم في معسكر السلطان ... ولأنهم ارتكبوا بعض ما نهاهم الله عنه ..

ومما قاله محمود شاكر - في المقصود من كلام أبي مجلز: (اللهم إني أبرأ إليك من الضلالة. وبعد، فإن أهل الريب والفتن ممن تصدروا للكلام في زماننا هذا، قد تلمس المعذرة لأهل السلطان في ترك الحكم بما أنزل الله، وفي القضاء في الدماء والأعراض والأموال بغير شريعة الله التي أنزلها في كتابه، وفي اتخاذهم قانون الكفر شريعة في بلاد الإسلام، فلما وقف على هذين الخبرين [2] ، اتخذهما رأيا يرى به صواب القضاء في الأموال والأعراض والدماء بغير ما أنزل الله، وأن مخالفة شريعة الله في القضاء العام لا تكفر الراضي بها، والعامل بها) .

إلى أن قال: (لم يكن سؤالهم [3] عما احتج به مبتدعة زماننا، من القضاء في الأموال والأعراض والدماء بقانون مخالف لشريعة أهل الإسلام، ولا في إصدار قانون ملزم لأهل الإسلام، بالاحتكام إلى حكم غير الله في كتابه، وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، فهذا الفعل إعراض عن حكم الله، ورغبة عن دينه وإيثار لأحكام أهل الكفر على حكم الله سبحانه وتعالى، وهذا كفر لا يشك أحد من أهل القبلة على اختلافهم في تكفير القائل به والداعي إليه ...

ولو كان الأمر على ما ظنوا في خبر أبي مجلز، أنهم أرادوا مخالفة السلطان في حكم من أحكام الشريعة، فإنه لم يحدث في تاريخ الإسلام أن سن حاكم حكما وجعله شريعة، ملزمة للقضاء بها، هذه واحدة، وأخرى أن الحاكم الذي حكم في قضية بعينها بغير حكم الله فيها، فإنه إما أن يكون حكم بها وهو جاهل، فهذا أمره أمر الجاهل بالشريعة، وإما أن يكون حكم بها هوى ومعصية، فهذا ذنب تناله التوبة، وتلحقه المغفرة. [4] .

ولعل مما يؤكد ذلك: (ما أخرجه عبد بن حميد وأبو الشيخ عن أبي مجلز: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} قال: نعم، قالوا: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون} قال: نعم، قالوا: فهؤلاء يحكمون بما أنزل الله؟ قال: نعم، هو دينهم الذي به يحكمون، والذي به يتكلمون، وإليه يدعون، فإذا تركوا منه شيئا، علموا أنه جور منهم، إنما هذه اليهود والنصارى والمشركون الذين لا يحكمون بما أنزل الله. [5] .

(1) الإباضية: - فرقة من فرق الخوارج، تنسب إلى عبدالله بن إباض التميمي، وهم خوارج في الاعتقاد، لكنهم يقولون إن مرتكب الكبيرة كافر كفر نعمة أو كفر نفاق - على خلاف بينهم - وهم طوائف متعددة.

انظر: مقالات الإسلاميين 1/ 183، والملل والنحل 1/ 134.

(2) يعني قول أبي مجلز، والذي جاء في روايتين عند الطبري في تفسيره

(3) أي النفر من الإباضية

(4) عمدة التفسير لابن كثير لأحمد شاكر 4/ 156 , 157 = باختصار.

(5) الدر المنثور للسيوطي 3/ 88.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت