الصفحة 32 من 53

(و) . من لم يحكم بما أنزل الله تعالى إباء وامتناعا فهو كافر خارج عن الملة، وإن لم يجحد أو يكذب حكم الله تعالى [1] ، وإذا كانت الحالة السابقة تجويز وقبول الحكم بغير ما أنزل الله تعالى، فهذه الحالة لا تعدو أن تكون في المقابل من تلك الحالة.

فمن المعلوم - عند السلف الصالح - أن الإيمان قول وعمل، وتصديق وانقياد، فكما يجب على الخلق أن يصدقوا الرسل عليهم السلام فيما أخبروا، فعليهم أن يطيعوهم فيما أمروا، فلا يتحقق الإيمان مع ترك الانقياد والطاعة، قال تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} [النساء، آية 64] ، فالإيمان ليس مجرد التصديق - كما زعمت المرجئة - وإنما هو التصديق المستلزم للطاعة والانقياد. [2]

كما أن الكفر عدم الإيمان - باتفاق المسلمين [3] -، ومن ثم ليس تكذيبا فحسب، بل قد يكون امتناعا عن اتباع الرسول مع العلم بصدقه ... [4] ، وقد يكون هذا الكفر إعراضا أو شكا، وعلى هذا يكون من ترك الحكم بما أنزل الله إباء وردا فهو كافر مرتد، وإن كان مقرا بهذا الحكم، لأن الإيمان يقتضي وجوب الانقياد والطاعة والإذعان لحكم الله تعالى ونوضح ذلك من خلال ما يلي:

مما أورده ابن جرير رحمه الله عند شرحه لحديث البراء بن عازب رضي الله عنه: مر بي عمي الحارث بن عمرو ومعه لواء قد عقده له رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال فسألته، قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أضرب عنق رجل تزوج امرأة أبيه [5] .

حيث يقول ابن جرير:: فكان فعله (أي نكاحه زوجة أبيه) . من أدل الدليل على تكذيبه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أتاه عن الله تعالى ذكره، وجحوده آية محكمة في تنزيله ... فكان بذلك من فعله حكم القتل وضرب العنق، فلذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله وضرب عنقه؛ لأن ذلك كان سنته في المرتد عن الإسلام. [6] .

ومما قاله الطحاوي في شرح هذا الحديث: (إن ذلك المتزوج فعل ما فعل على الاستحلال، كما كانوا يفعلون في الجاهلية، فصار بذلك مرتدا، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل به ما يفعل بالمرتد. [7] .

(1) وهذه الحالة تعتبر مثالا على كفر الإباء والاستكبار، حيث يعد هذا الكفر هو الغالب على الأمم الكافرة بالرسل عليهم السلام. انظر مدارج السالكين 1/ 337

(2) انظر كتاب الصلاة لابن القيم ص 54

(3) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية 20/ 86

(4) انظر السنة لعبدالله بن أحمد بن حنبل 1/ 347 ,348، درء تعارض النقل والعقل 1/ 242.

(5) سبق تخريجه ص 251

(6) تهذيب الآثار 2/ 148 وانظر الفتاوى لابن تيمية 20/ 91

(7) شرح معاني الآثار 3/ 149

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت