الصفحة 33 من 53

فتأمل - رحمك الله - نص هذا الحديث وما قرره ابن جرير والطحاوي ... عندما بينا أن الجحود أو الاستحلال قد يظهر في عمل من الأعمال .. وهذا كفر رد وإباء، فليس الجحود أو الاستحلال (القلبي) . واقعا بنطق اللسان فقط. [1]

حتى قال محمد رشيد رضا: (إن حقيقة الجحد هو إنكار الحق بالفعل. [2] .

ويقول ابن حزم بعبارة شاملة: (كل من خرج إلى الكفر بوجه من الوجوه، فلابد من أن يكون مكذبا بشيء مما لا يصح الإسلام إلا به، أو رد أمرا من أمور الله عز وجل لا يصح الإسلام إلا به فهو مكذب بذلك الشيء الذي رده أو كذب به .. [3] .

إضافة إلى ذلك فإن من رد وامتنع عن قبول حكم الله تعالى فهو كافر بالإجماع، وإن كان مقرا بهذا الحكم، يقول إسحاق بن راهويه: (وقد أجمع العلماء على أن من دفع شيئا أنزله الله .. وهو مع ذلك مقر بما أنزل الله أنه كافر [4] .

يقول الجصاص [5] في تفسير قوله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} [النساء، آية 65] : (وفي هذه الآية دلالة على أن من رد شيئا من أوامر الله تعالى، أو أوامر رسوله صلى الله عليه وسلم فهو خارج من خارج من الإسلام، سواء رده من جهة الشك فيه، أو من جهة ترك القبول والامتناع من التسليم ... [6] .

كما يقرر ابن تيمية اتفاق العلماء على وجوب قتال الطائفة الممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، وإن كانت مقرة بتلك الشريعة، فيقول: (كل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة ... فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين، وملتزمين بعض شرائعه، كما قاتل أبو بكر الصديق والصحابة رضي الله عنهم مانعي الزكاة ... فاتفق الصحابة رضي الله عنهم على القتال على حقوق الإسلام عملا بالكتاب والسنة. [7]

(1) قارن ما سبق ذكره .. بما تراه واقعا مشاهدا في مجتمعات المسلمين، عندما"جوزت"تلك الأنظمة الحاكمة في بلاد المسلمين أوكار الربا والزنا والخمر ونحوها من المحرمات الظاهرة، ومنحت التراخيص لتلك الموبقات، بل"فرضت"تلك المحرمات القطعية، وقامت على رعايتها وحمايتها، ليس هذا فحسب، بل و"سوغت"تلك الأنظمة موالاة الكفار باسم المصالح المشتركة والتعايش السلمي".. والله المستعان."

(2) مجلة المنار مجلد 25، جزء 1، ص 21

(3) الفصل 3/ 266

(4) التمهيد لابن عبد البر = 4/ 226 = باختصار.

(5) أبو بكر أحمد بن علي الرازي الحنفي، فقيه مجتهد، استوطن بغداد، رفض القضاء، صاحب تعبد وزهد، له مؤلفات، توفي سنة 370 ه.

انظر: سير أعلام النبلاء 16/ 340، شذرات الذهب 3/ 71.

(6) أحكام القرآن للجصاص 2/ 213، 214.

(7) مجموع الفتاوي 28/ 502.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت