فينبغي أن يفهم كلام أبي مجلز - وكذا كلام ابن عباس رضي الله عنهما - على ظاهره، وحسب مناسبته بلا غلو، ولا جفاء، فلا نكون كالخوارج الذين جعلوا مطلق المخالفة الشرعية كفرا أكبر، وفي نفس الوقت لا نكون مع الطرف المقابل لهم ممن جعلوا رفض الشريعة وتنحيتها والإعراض عنها كفرا أصغر، فلم يقصد ابن عباس - وكذا أبو مجلز - من أبى وامتنع عن الالتزام بشرع الله تعالى، وتحاكم إلى قوانين الجاهلية، فلم يكن في تلك القرون السابقة من يفعل مثل ذلك، فكلام السلف الصالح - في معصية كفر دون كفر - يدور حول قضية مفردة، أو واقعة معينة في الحكم بغير ما أنزل الله تعالى، عن هوى وشهوة، مع اعتقاد حرمة هذا الفعل وإثمه، وليس منهجا عاما، وهذا أمر ظاهر توضحه مقالة ابن تيمية - التي سبق ذكرها: (أما من كان ملتزما لحكم الله ورسوله باطنا وظاهرا، لكن عصى واتبع هواه، فهذا بمنزلة أمثاله من العصاة. [1] .
وكذا ما قاله ابن القيم: (إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة، وعدل عنه عصيانا، مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة، فهذا كفر أصغر. [2] .
4 -من خلال العرض السابق، نذكر - بإيجاز - أوجه كون الحكم بغير ما أنزل الله تعالى ناقضا من نواقض الإيمان على النحو التالي:
(1) منهاج السنة 5/ 131.
(2) مدارج السالكين 1/ 336، ولمزيد من التفصيل في هذه المسألة. انظر: - رسالة ضوابط التكفير للقرني ص 217، وأضواء على ركن من التوحيد لعبد العزيز بن حامد ص 36 - 43، وحد الإسلام وحقيقة الإيمان لعبد المجيد الشاذلي ص 406 - 414، ومختصر الغياثي لمحمد الحسني ص 46 - 60، وتحكيم الشريعة للصاوي ص 70 - 83.