الصفحة 30 من 53

النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي محمما [1] مجلودا فدعاهم صلى الله عليه وسلم فقال: هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قالوا: نعم فدعا رجلا من علمائهم، فقال: أنشدك بالله الذي أنزل التوارة على موسى، أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قال لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده الرجم، ولكن كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه) . فأمر به فرجم، فأنزل الله عز وجل {ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} إلى قوله {إن أوتيتم هذا فخذوه} يقول أئتوا محمدا صلى الله عليه وسلم، فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروه، فأنزل الله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ، {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون} ، {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} في الكفار كلها. [2]

فمناط الكفر - هاهنا - ما تلبس به هؤلاء اليهود من تجويز الحكم بغير ما أنزل الله وتبديل حكم الله تعالى، فاليهود كفروا لتغييرهم حكم الله تعالى، فجعلوا التحميم والجلد بدلا من الرجم، وهم يعلمون خطأهم. [3]

ويقول ابن القيم - عن هذه الحالة: (إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب، وأنه مخير فيه مع تيقنه أنه حكم الله، فهذا كفر أكبر. [4] .

ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى عليه السلام فهو كافر. [5] .

وإضافة إلى ذلك فإن تجويز الحكم بما يخالف حكم الله تعالى هو قبول للأحكام والتكاليف من غير الله تعالى ولو كان في بعضها، أو اليسير منها ... ، وهذا مناقض لحقيقة الإسلام لله وحده، فمن استسلم لله تعالى ولغيره كان مشركا، والاستسلام لله وحده، يتضمن عبادته وحده، وطاعته وحده. [6]

وتوضيحا لذلك فنورد ما سطره الأستاذ محمد قطب من أمثلة في تجويز الحكم بما يخالف حكم الله تعالى، حيث يقول: (كيف نزعم لأنفسنا أننا آمنا بأنه لا إله إلا الله - أي لا معبود [7] إلا الله، ولا حاكم إلا الله - إذا كنا نقول - بلسان الحال أو بلسان المقال - إنك يا رب قد قلت إن الربا حرام، أما نحن فنقول إنه مدار الحياة الاقتصادية المعاصرة، ولا يقوم الاقتصاد إلا به، ولذلك فنحن نقره ونتداوله، ونجعله هو الأصل في تداول المال! وإنك يا رب قد قلت إن الزنا حرام، وحددت له عقوبة

(1) أي مسودا الوجه، من الحممة: الفحمة.

(2) أخرجه مسلم، ك الحدود (3/ 1327) ح (1700) ، وأحمد (4/ 286) .

(3) انظر: رسالة ضوابط التكفير للقرني ص 219، وحد الإسلام للشاذلي ص 381، 382.

(4) مدارج السالكين 1/ 337، وشرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز 2/ 446.

(5) مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب 1/ 387.

(6) انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية 3/ 91 ومجموع مؤلفات الشيخ محمد بن عبدالوهاب (التفسير) 4/ 344.

(7) يقصد: أي لا معبود بحق إلا الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت