فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 141

وأن عجزه عن مفارقتهم إلى دار إسلام لا يُسقطُ عنه مفارقتهم فيما هم عليه وما هم فيه، وفيما يكون بعمله في ذلك الموضع من مناصرة لهم وإعانة لهم، وإنا لنسأل الله -تبارك وتعالى- السلامة والعافية.

قاعدة: المرتدّ يُعامل معاملة الكافر الأصلي إلا فيما استثناه الشارع:

أقول: فِعل صحابة نبينا - صلى الله عليه وسلم - في معاملتهم لطوائف الردّة في قتال المرتدين، دليلٌ صريح وهو إجماع من الصحابة -رضي الله عنهم- على أنّ المُعيَّن في الطائفة يُعامل معاملتها، فإن الصحابة -رضي الله عنهم وأرضاهم- لمّا قاتلوا المرتدين؛ من الذين ادَّعوا النبوة كمسيلمة الكذاب ومن معه، ولما قاتلوا المرتدين الذي بدلوا أحكام الله وبدلوا دين الله، والذين منعوا الزكاة؛ أقول لمّا قاتلوهم عاملهم الصحابة معاملة أهل الردة؛ فقتلوا مُقاتلتهم وسبوا نساءهم وذراريهم.

فهذا دل على أمرين؛ دلّ أولًا على أن الصحابة -رضي الله عنهم- كانوا يعاملون المرتدين معاملة الكفار الأصليين إلا فيما دلّ الدليل فيه على التفريق، بدليل أنه ذُكر هاهنا سبي نسائهم، وهذا الموضع موضِع خلاف بين المتقدمين والمتأخرين من أهل العلم، والمسألة خارجةٌ عن ذلك ولكنني أُشير لها إشارة عابرة، وقد نقل بعض السابقين من أهل العلم -رحمهم الله- أنه لم ينقرض عصر الصحابة -رضي الله عنهم- حتى وقع الإجماع منهم على أن نساء المرتدين لا تُسبى، وعلى كل حال ففي دعوى هذا الإجماع نظر وتحقيق؛ بل إن فِعل الصحابة -رضي الله عنهم- مع المرتدين ابتداءً دليل على أنّهم عاملوا المرتدين معاملة الكفار الأصليين بدليل أنهم سبوا نساءهم وذراريهم وأخذوا أموالهم.

وأصل هذا الحديث عند البخاري في صحيحه، وذكر هذه القصة الإمام ابن كثير في (البداية والنهاية) وغيرهم من أهل السير، وفيها أن أبا بكر الصديق -رضي الله عنهم- خيّر هؤلاء المرتدين بين الحرب المُجلية والسلم المُخزية؛ بين الحرب التي تقضي عليهم وبين السلم المخزية، والسلم المخزية معناها كما فسّره الأئمة كالحافظ ابن حجر -رضي الله عنه- وغيره معناه أن يُعَاملُوا معاملة الكفار الأصليين مِنْ سبي النساء والذراري وأخذ الحلقة والسلاح منهم، وأن تُفرضَ عليهم الذلة والصغار، فعاملوهم معاملة الكفّار الأصليين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت