فإننا لا نشكُ ولا يمتري في ذلك من له أدنى علم أو بصيرة في دين الله تعالى، أنه في ديار أهل الإسلام من هو كافرٌ خارجٌ من هذا الدين محاربٌ له معادٍ له وإن كان ممن ينتسبُ له ويدَّعِي أنه من أهله، وأنّ منهم مَنْ هم أهلُ الإسلام وأهل التوحيد وأهل محبة الله ومحبة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
لكن الحال في بلاد أهل الإسلام أن الأمر مختلطٌ على الناس، قد اختلط فيها الحابل بالنابل، ومما ساعد في زيادة هذا الاختلاط -أي إلى زيادة اختلاط الأمر في أذهان الناس- هو قعود أهل العلم وسكوتهم عمَّا أوجبه الله تعالى عليه من تحقيق المفاصلة لأعداء هذا الدين.
فإن العاميّ من المسلمين حينما يرى من ينتسب إلى العلم والدين يُناصرُ هؤلاء المبدلين لشريعة الله بأيّ وجه من أنواع المناصرة؛ سواء كان ممن يُفتيهم أو ممن يعمل في محاكمهم وهيئات قضائهم، بل ويدعو الناس إلى شَغْل هذه الأعمال عند هؤلاء الطواغيت المبدلين لشرع الله؛ فإنّ هذا العاميّ يقع في ذهنه من الخلط واللبس في هذ الدين ما يظنّ معه أنه مناصرٌ لدين الله بفعله ذلك.
فإنك ترى من ينتسب لأهل العلم والدين في بلادنا يقول لعامة المسلمين في بلادنا:"ينبغي على المسلمين الموحِّدين أن يشغلوا وظائف الدولة والحكومة حتى لا يشغله الفساق والعصاة"، وهو ينظر ويرى أن الحاكم يحكم بغير شريعة الله وبغير دين الله؛ فماذا حصل بسبب ذلك؟
حصل بسببه الخلط في أذهان عامّة المسلمين، ولو أنّ أهل العلم جرَّدوا أنفسهم لله -تبارك وتعالى- ودعوا الناس لمفارقة هؤلاء المبدلين لدين الله ولشريعة الله، وقالوا لهم لا يجوز لكم أن تعملوا في وظائف هؤلاء الذين بدَّلوا دين الله وشريعته، ولا يجوز لكم أن تُعينوهم بخدمة أو كتابة حتى يكون المسلمُ متميزًا عن غيره في كل كبيرة وصغيرة، وانتشر هذا العلم بين الناس، وصار أهله وأتباعه يُقال لهم: {أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ} [1] ؛ لصار الأمر بذلك بين الناس واضحًا بيِّنًا ولكان ذلك من أعظم الأمور التي تعينُ على تحقيق المفاصلة الكلية بين طائفة الإسلام وطائفة الكفر.
(1) سورة الأنبياء، الآية: 36.