تحكيم الشريعة وصلته بالرضا بالإسلام دينًا
لا يخفى أن الرضا بالإسلام دينًا والبراءة من كل دين يخالفه هو فيصل التفرقة بين الإيمان والكفر، فقد قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ} (آل عمران 19) . وقال: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (آل عمران 85) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فالإسلام يتضمن الاستسلام لله وحده، فمن استسلم له ولغيره كان مشركًا، ومن لم يستسلم له كان مستكبرًا عن عبادته والمشرك به والمستكبر عن عبادته كافر، والاستسلام له وحده يتضمن عبادته وحده وطاعته وحده وهذا دين الإسلام الذي لا يقبل الله غيره وذلك إنما يكون بأن يُطاع في كل وقت بما أمر به في ذلك الوقت) [1] .
فهل تعرف جماهير المسلمين حقيقة هذا الرضا والحد الأدنى الذي لا يتحقق إلا به؟!!!
إن الإجابة على هذا السؤال تتوقف على معرفة حقيقة الدين، لأن كثيرًا من الناس في هذا العصر يخطئ فهم حقيقة الدين الذي أنزله الله على محمد - صلى الله عليه وسلم - ويظنُّه لا يتجاوز ما يُقام من شعائر العبادات، وما يهتف به الوعًّاظ والخطباء من الدعوة إلى مكارم الأخلاق، أمَّا ما وراء ذلك من شئون الحياة فلا علاقة للدين به طبقًا لمقولة: (دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله) أو لمقولة: (لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين) . ولا يخفى أن من كانوا كذلك إنما يدينون دينًا آخر ويسمونه الإسلام.
فالدين هو جملة ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - من عند الله من عقائد وعبادات وشرائع، كل ذلك داخل في مسمى الدين، المقصود بقوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ} (آل عمران 19) . وقوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} (المائدة 3) .
ولا يخفى أن في القرآن والسنة النبوية الصحيحة أحكامًا كثيرة كأحكام البيع، والربا، والرهن، والدًّين، والأشهاد، وأحكام الزواج، والطلاق، واللعان، والظهار، والحجر على الأيتام، والوصايا، والمواريث، وأحكام القصاص، والدَّية، وقطع يد السارق، وقذف المحصنات، وجلد الزاني، وجزاء الساعي في الأرض فسادًا. بل في القرآن آيات حربية و. . . إلخ. وهذا يدلنا على أن من يدعو إلى فصل الدين عن السياسة إنما يدين دينًا آخر ويسميه الإسلام.
فالرضا بالإسلام دينًا هو الرضا بجميع ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - من العقائد الغيبية والشعائر التعبدية والأحكام الشرعية، لا فرق في ذلك بين ما تعلق منه بعبادة من العبادات، أو بحكم من أحكام القضاء والسياسة، ما دام قد صح الخبر به عن الله- عز وجل- وعن رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
(1) مجموع فتاوى بن تيمية3/ 19.