الصفحة 7 من 56

إن حقيقة الرضا بالله ربًا تتمثل في الإقرار بقسميه الكوني والشرعي لله- عز وجل- وأن يقرّ له بالتفرد في كليهما فيرضى بشرعه كما يرضى بقدره، ويسكن إلى تدبيره الشرعي كما يسكن إلى تدبيره الكوني، وأن يَسْخَطَ عبادةَ ما دونه في هذا وفي ذاك.

ذلك أن الخلق والأمر من أخص خصائص الربوبية وأجمعِ صفاتها، كما قال تعالى:

{أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (الأعراف 54)

ولهذا أجاب بها موسى- عليه السلام- في مقام المحاجّة مع فرعون عندما ابتدره سائلًا: {قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى} (طه 49) . فكان جواب الكليم- عليه السلام-: {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} (طه 50) . ومن قبل ذلك قال الخليل إبراهيم- عليه السلام- في وصفه لربه: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} (الشعراء 78) . ومن بعد ذلك أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يسبح باسم ربه الأعلى الذي تفرَّد بهذين الوصفين فقال تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} (الأعلى 1 - 3) .

والأمر في لغة الشارعِ [1] يأتي بمعنى الأمر الكوني أو الأمر الشرعي:

1 -الأمر الكوني: وهو الذي يدبر شئون المخلوقات وبه يقول للشيء كن فيكون، ومنه قوله تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (يس 82) . وقوله تعالى: {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ} (القمر 50) .

2 -الأمر الشرعي: وهو الذي يفصل به الحلال والحرام، والأمر والنهي وسائر الشرائع، ومنه قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} (السجدة24) .

وإذا كانت البشرية لم تعرف في تاريخها من نازعَ اللهَ في جانب الخلق أو الأمر الكوني فقد حفل تاريخها بمن نازع الله في جانب الأمر الشرعي وادًّعى مشاركته فيه، فعرفت من قال: {سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللّهُ} (الأنعام 93) ومن قال: {مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} (غافر29) ومن قال: (لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة) . بل عرفت مؤخرًا من قال: (إن القوانين الوضعية خير من الشريعة الإسلامية لأن الأولى تمثل الحضارة المدنية والثانية تمثل البداوة والرجعية!!)

(1) يُقصَد بالشارع في الفقه الإسلامي -الله عز وجل، والنبي صلى الله عليه وسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت