ولا يتحقق توحيد الربوبية إلا بإفراد الله- جل وعلا- بالخلق والأمر بقسميه: الكوني والشرعي، وإفراده بالأمر الشرعي يقتضي الإقرار له وحده بالسيادة العليا والتشريع المطلق، فلا حلال إلا ما أحله ولا حرام إلا ما حرمه ولا دين إلا ما شرعه، ومن سوَّغ للناس إتباع شريعة غير شريعته فهو كافر مشرك.
قال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} (التوبة31) .
وقد أخرج الإمام أحمد والترمذى وغيرهما عن عدى ابن حاتم أنه دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقرأ هذه الآية: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ} . قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم فقال - صلى الله عليه وسلم: (بلى إنهم حرَّموا عليهم الحلال وأحلّوا لهم الحرام فاتبعوهم وذلك عبادتهم إياهم) .
فلم تكن الربوبية في بني إسرائيل في تجانب الخلق أو القضاء الكوني، بل كانت في جانب الهداية والأمر الشرعي، فكان الأحبار والرهبان يحلون لهم الحرام ويحرمون عليهم الحلال فيتبعونهم على ذلك، ويتركون تحريم التوراة وتحليلها إلى تحريم هؤلاء وتحليلهم فاتّخذوهم بذلك أربابًا من دون الله.
إذًا فحقيقة هذا الرضا بالربوبية لا تتمثل في إفراد الله- جل وعلا- بالخلق والتدبير الكوني فحسب، بل تمتد لتشمل إفراده تعالى بالأمر والقضاء الشرعي وقبول ما جاء به رسوله، - صلى الله عليه وسلم - من الهدى والشرائع ضرورة. أنَّ المنازعة في المر الشرعي كالمنازعة في الأمر الكوني ولا فرق، لأن الذي أوجب الرضا بقدره هو الذي أوجب التحاكم إلى شرعه، وهو القائل: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} (يوسف40) . والقائل: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (الشورى21) .
والإقرار المقصود في هذا المقام هو الإقرار الانقيادي الذي لا يتجاوز دائرة التصديق والإخبار، فلو أن رجلًا أقر بصدق ما جاء به النبي، - صلى الله عليه وسلم - ولم يتبعه على ذلك بل حاربه وعاداه فإنه لا يكون موحدًا بحال من الأحوال.