الصفحة 40 من 56

الشبهة الثانية:(لا يكفر أحد بذنب إلا إذا استحله):

أما قولهم إنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب إلا إذا استحله فذلك حق ونحن نقول بموجبه, إلاّ أن الاستحلال يتّخذ في الواقع العملي إحدى صورتين:

الأولى: (كفر التكذيب) : وهو تكذيب الحكم الشرعي وعدم اعتقاد موجبه.

الثانية: (كفر الرد) : وهو رد الحكم الشرعي وعدم التزامه, وإن اعتقد أن الله أوجبه وأن الرسول قد أمر به, فمن قال: إنّ هذا حكم الله ولكني أردّه أو أسخطه أو لا أرى صلاحيته أو لا أقبل تطبيقه أو ترك التحاكم إلى الله كان كمن كذّب بهذا الحكم ابتداءً سواء بسواء, بل إن ذلك أغلظ كفرًا وأشدّ محادة لله ورسوله.

ذلك أن الإيمان المجمل -كما سبق- تصديق الرسول فيما أخبر والانقياد له فيما أمر, فمن لم يحصل في قلبه التصديق والانقياد معًا فهو كافر.

وإنَّما ضلَّ هؤلاء بسبب ضلالهم في فهم حقيقة الإيمان. لقد عبثت بهم ضلالات الفرق المخالفة لأهل السنة التي تفشّت جرثومتها في أوساط الأمة فأفسدت عليهم دينهم وظنّوا معها أن الإيمان هو محض التصديق فلا يكون الكفر بالمقابل إلاّ محضّ التكذيب, فمهما ردّ المرء من شرائع الإسلام أو خلع الربقة من الالتزام بها والانقياد لموجبها واستعلن بنقضه لها واستهزائه بها فلا يقدح شيء من ذلك في أصل إيمانه ما دام يصدق بقلبه أنها وحي من عند الله!! يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:(والكفر لا يختص بالتكذيب بل لو قال: أنا أعلم أنك صادق لكن لا أتبعك بل أعاديك وأبغضك وأخالفك ولا أوافقك لكان كفره أعظم. فلما كان الكفر المقابل للإيمان ليس هو التكذيب فقط علم أن الإيمان ليس التصديق فقط بل إذا كان الكفر يكون تكذيبًا, ويكون مخالفة ومعاداة وامتناعًا بلا تكذيب فلا بد أن يكون الإيمان تصديقًا

مع موافقة وموالاة وانقياد لا يكفي مجرد التصديق فيكون الإسلام جزء مسمّى الإيمان, وكما كان الامتناع من الانقياد مع التصديق جزء مسمّى الكفر فيجب أن يكون كل مؤمن مسلمًا منقادًا للأمر وهذا هو العمل) [1] .

ومذهب أهل السنة والجماعة في باب الإيمان وسط بين مذهب المرجئة الذين أخرجوا الأعمال جميعًا من مسمى الإيمان وجعلوه محض التصديق وبين مذهب الخوارج الذين أدخلوا الأعمال جميعًا في أصله وجعلوه جملة الفرائض.

وقد استدل الخوارج على ما ذهبوا إليه بظاهر نصوص الوعيد وقابلهم المرجئة فاستدلوا عليهم بظاهر نصوص الوعد, وكل منهما قد أخذ في النصوص بالنظر الأول ولم يجمع بين أطراف الأدلة حتى ينجلي أمامه مقصود الشارع, ولذلك قال من قال من أهل العلم لا تستفيدوا من كلام المرجئة إلا بطلان كلام الخوارج ولا يستفاد من كلام الخوارج إلا بطلان كلام المرجئة, ويبقى الحق بعيدًا عن هؤلاء وهؤلاء.

(1) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية 7/ 292.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت