لا فرق بين قول الله- جل وعلا-: {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} (البقرة 43) . وقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} (البقرة 257) . أو قوله: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ منهما مِئَةَ جَلْدَةٍ} (النور 2) . كل ذلك قرآن، يُتلى وكل ذلك دين واجب الإتباع.
يقول ابن القيم- يرحمه الله-: (وأما الرضا بدينه: فإذا قال، أو حكم، أو أمر، أو نهى، رضي كل الرضا. ولم يبقى في قلبه حرج من حكمه. وسلّم له تسليمًا. ولو كان مخالفًا لمراد نفسه أو هواه، أو قول مقلد و شيخه وطائفته) [1] .
إن الرضا بالله ربًا يعنى- كما سبق- أن يكون وحده هو الحكم، وأن يكون هداه وحده هو الهدى، وأن تكون كلماته وحدها هي الحجة القاطعة والحكم الأعلى لا غير. وإن الرضا بالإسلام دينا، تعني الرضا بجميع ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - من الدين والالتزام المطلق بذلك جملة وعلى الغيب، فهل تحقق ذلك لدى من يدعون لفصل الدولة عن الدين ويقفون من شرائع الإسلام موقف الردّ والسخرية؟
إن حال هؤلاء لا يخلو من ثلاثة أمور:
الأول: أن ينكروا أن في الإسلام أحكامًا وأصولًا تتصل بالقضاء والسياسة ابتداءً، ويزعموا أنه محض توحيد وعبادات، وهؤلاء إما أن يكونوا جهلة لا يعلمون؛ أو كفرة يكذبون، والسبيل مع الأولين هو التعليم وإزالة الجهالة، ومع الآخرين إقامة الحجة والاستتابة حتى يقام فيهم كتاب الله عند التمكين والاستطاعة.
الثاني: أن يقروا باشتمال الإسلام على الشرائع المتعلقة بالقضاء والسياسة ونحوه، ولكنهم ينكرون أن تكون كافلة بالمصالح، آخذة بالسياسة إلى أحسن العواقب، فيشككون في صلاحيتها أو يجحدون أو يعلنون كفرهم بها أو يكادون، وهؤلاء زنادقة مارقون، وكفر أمثالهم معلوم بالضرورة من الدين.
الثالث: أن يقروا باشتمال الإسلام على الشرائع المختلفة ويقرّوا بأنها تكون كافلة بالمصالح ولكنهم يرفضون أو يتركون تحكيم الشريعة لإرضاء الحاكم أو طمعًا في مال أو جاه وهؤلاء كفار، وكفر أمثالهم معلوم أيضًا بالضرورة من الدين.
فهل يعلم هؤلاء الذين جعلوا الإسلام عضين يؤمنون ببعض أحكامه ويكفرون ببعض أنهم جمعوا بذلك بين عدم الرضا بالله ربًا وعدم الرضا بالإسلام دينًا وأنهم بذلك قد باءوا بخسارة الدنيا والآخرة.
تحكيم الشريعة وصلته بنبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -
لا يخفى أن الرضا بنبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - هو المدخل إلى الإسلام، فإن الشهادة لله بالوحدانية ولمحمد - صلى الله عليه وسلم - بالرسالة هو أول واجب على المكلف، وأول ما يخاطب به الناس عند الدعوة إلى الإسلام، كما قال، - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ ابن عندما بعثه إلى اليمن: (إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله .... ) الحديث.
(1) مدارج السالكين-ابن قيم الجوزية2/ 118.