الفصل الثالث
تحكيم الشريعة وصلته بالإيمان
لقد تمهد في أصول أهل السنة والجماعة أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وأن أصله تصديق الخبر والانقياد للأمر، فمن لم يحصل في قلبه التصديق والانقياد كان كافرًا بالله العظيم.
وهُم بهذا يردون باطل المرجئة الذين أخرجوا الأعمال كلها من مسمى الإيمان، وباطل الخوارج الذين أدخلوا الأعمال جميعًا في أصله.
ويفرقُ أهلُ السنة والجماعة بين هذا الإيمان المجمل الذي لا تثبت صفة الإسلام إلا باستيفائه وبين الإيمان الكامل الواجب الذي هو فعل الواجبات والمندوبات واجتناب المحرَّمات والمكروهات والذي لا يخدش الإخلال به أصل الإيمان ولكن يخدش كماله الواجب والمستحب بحسب الأحوال، ويتفاوت الناس فيه بين ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات بإذن الله.
نخلُصُ من هذا كلّه إلى أن الإيمان المعتبر عند أهل السنة والجماعة والذي ينجي أصحابه من الخلود في نار جهنَّم هو حقيقة مركّبة من القول والعمل، فهو التصديق الانقيادي، أو الإقرار المجمل بما جاء به محمد، - صلى الله عليه وسلم -، تصديقًا وانقيادًا، فمن لم يتحقّق في قلبه هذان الأمران لم يثبت له عقد الإسلام.
فلا يثبت إذن عقد الإسلام بمجرّد التصديق بالأحكام الشرعيّة بل لابدّ لثبوته من التزامها جملة وعلى الغيب، فمن زعم التّصديق بالإسلام ووقف من شرائعه موقف الردّ أو الإباء أو الترك أو الاعتراض فإنه لا يثبت له عقد الإسلام حتى يعقد قلبه على مجموع الأمرين:
تصديق خبره، - صلى الله عليه وسلم -، جملة وعلى الغيب، والتزام هديه، - صلى الله عليه وسلم -، جملة وعلى الغيب.