الصفحة 27 من 56

الفصل الرابع

إجماع الأمة على كفر من ترك التحاكم

إلى الكتاب والسنة

إن هذا الذي ذكرناه من أن تحكيم الشريعة شرط في ثبوت عقد الإسلام، وأنَّه لا يتحقق الرضا بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد، - صلى الله عليه وسلم -، نبيًّا ورسولًا إلا بالانقياد لشريعة الله والإقرار بجميع ما أنزل الله تصديقًا وانقيادًا, وأن من ترك شيئًا من ذلك فقد كفر، هو من الحقائق المعلومة بالضرورة من الدين، وقد انعقد عليها إجماع المسلمين جيلًا بعد جيل, ولا يزال أهل العلم قديمًا وحديثًا ينصُّون عليها في عقائدهم، ويبيِّنوها في مصنَّفاتهم لا يعرف في ذلك مخالف على مدى هذه القرون المتعاقبة.

ولننقل لكم طرفًا من مقالاتهم حتى تتبدَّد الحُجب وتنجلي الغياهب:

أولًا: الحافظ ابن كثير:

يقول الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} . (ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله _ المحكم المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر_ وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله, كما كان أهل الجاهليَّة يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم, وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيز خان الذي وضع لهم الياسق وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتَّى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها, وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه فصارت في بنيه شرعًا مُتَّبعًا يقدِّمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله, - صلى الله عليه وسلم - , فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير) [1] .

ويقول في تفسير قوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} .

( .. هذا أمر من الله- عزّ وجلّ- بأن كل شيء تنازع فيه الناس من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنَّة كما قال تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} . فما حكم به الكتاب والسنة وشهدا له بالصِّحَّة فهو الحق , وماذا بعد الحق إلا الضلال, ولهذا قال: {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} . فدلّ على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنَّة ولا يرجع إليهما في ذلك فليس مؤمنًا بالله ولا باليوم الآخر) [2] .

ويقول في البداية والنهاية: (فمن ترك الشرعَ المُحكَم المُنزَّل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر, فكيف بمن تحاكم إلى الياسق وقدّمها عليه؟ من فعل ذلك فقد كفر بإجماع المسلمين) .

(1) تفسير القرآن العظيم لابن كثير 2/ 67.

(2) تفسير القرآن العظيم لابن كثير1/ 518.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت