الصفحة 41 من 56

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:(بل كل من تأمل ما تقوله الخوارج والمرجئة في معنى الإيمان علم بالاضطرار أنه مخالف للرسول ويعلم بالاضطرار أنه طاعة الله ورسوله من تمام الإيمان, وأنه لم يكن يجعل كل من أذنب ذنبًا كافرًا, ويعلم أنه لو قدر أن قومًا قالوا للنبي , - صلى الله عليه وسلم - , نحن نؤمن بما جئتنا به بقلوبنا من غير شك ونقر بألسنتنا بالشهادتين, إلا أنا لا نطيعك في شيء مما أمرت به ونهيت عنه, فلا نصلي, ولا نصوم, ولا نحجّ, ولا نصدق الحديث, ولا نؤدي الأمانة, ولا نفي بالعهد, ولا نصل الرحم, ولا نفعل شيئًا من الخير الذي أمرت به, ونشرب الخمر, وننكح ذوات المحارم بالزِّنا الظاهر, ونقتل من قدرنا عليه من أصحابك وأمتك, ونأخذ أموالهم بل نقتلك أيضًا ونقاتلك مع أعدائك, هل كان يتوهم عاقل أن النبي , - صلى الله عليه وسلم - , يقول لهم أنتم مؤمنون كاملو الإيمان, وأنتم من أهل شفاعتي يوم القيامة, ويرجى لكم ألاّ يدخل أحد منكم النار, بل كل مسلم يعلم بالاضطرار أنه يقول لهم أنتم أكفر الناس بما جئت به ويضرب رقابهم إن لم يتوبوا من ذلك.

وكذلك يعلم كل مسلم أن شارب الخمر والزَّاني والقاذف لم يكن النبي , - صلى الله عليه وسلم - , يجعلهم مرتدين يجب قتلهم, بل القرآن والنقل المتواتر عنه يبين أن هؤلاء لهم عقوبات غير المرتد عن الإسلام كما ذكر الله في القرآن جلد القاذف والزَّاني وقطع يد السَّارق, وهذا متواتر عن النبي , - صلى الله عليه وسلم - ,ولو كانوا مرتدين لقتلهم فكلا القولين مما يعلم فساده من الاضطرار من دين الإسلام) [1] .

ومن ناحية أخرى فقد اتفق الجميع, أهل السنة والمرجئة والخوارج وغيرهم من سائر الفرق أن حكم الشرك يختلف عن حكم بقية الذنوب لقول الله تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} . وقوله تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ} . (الزمر65, 66) .

والصورة التي نتحدث عنها صورة من صور الشرك الأكبر بلا نزاع, لما تمهد من أن التشريع المطلق حق خالص لله -جلّ وعلا- وحده من نازعه في شيء منه فهو مشرك لقوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَن بِهِ اللَّهُ} . (الشورى21) . وقوله: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ} . وقد سبق القول في معنى هذه الآيات.

إن الحالة التي تواجهها مجتمعاتنا المعاصرة هي حالة الإنكار على الإسلام أن تكون له صلة بشئون الدولة, والحجر عليه ابتداءً أن تتدخل شرائعه لتنظيم هذه الجوانب, وتقرير الحق في التشريع المطلق في هذه الأمور للبرلمانات والمجالس التشريعيَّة.

(1) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية 7/ 287 - 288.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت