الصفحة 42 من 56

إننا أمام قوم يعطون حق السيادة العليا والتشريع المطلق لمجالسهم التشريعية, فالحلال ما أحلته والحرام ما حرمته والواجب ما أوجبته, والنظام ما شرعته, فلا يجرم فعل إلا بقانون منها, ولا يعاقب عليه إلا بقانون منها, ولا اعتبار إلا للنصوص الصادرة منها. هذه هي المحنة التي نواجهها اليوم, والتي لا يصلح لدفعها ترقيع جزئي بإلغاء بعض المواد والنص على أخرى, وإنّما يصلحه أن نبدأ بتقرير السيادة المطلقة والحاكميَّة العليا للشريعة الإسلامية والنص على أن كل ما يتعارض معها من القوانين أو اللوائح فهو باطل ومنعدم. ويومها فقط تبدأ رحلة العودة إلى الله والتقويم الجذري للبناء التشريعي لإقامة دار الإسلام.

أما قولهم إن هذه هي دعوة الخوارج الذين يكفرون مخالفيهم من أهل القبلة اعتمادًا على مثل هذه الأدلة فهو قول لم تقع العين على أسمج منه ولا على أضلّ من أصحابه!

إن قوله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ} . ذُكِرَ في القرآن الكريم على لسان الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف ابن يعقوب قبل أن تنقلها لنا دواوين التاريخ على ألسنة الخوارج! أفيكون كل من دعا إلى إقامة الدين وتحكيم الشريعة وإفراد الله بالعبادة والتشريع المطلق خارجيًّا من الخوارج؟ ترى ماذا يكون إذًا مبدّل الشرع, ومحلّ الحرام ومحرّم الحلال والدّاعي للفصل بين الدين والدولة؟ أيكون علي بن أبي طالب؟ كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلاّ كذبًا.

لقد رفع الخوارج هذا الشعار ليُكَفِّروا به أئمة الجور من المسلمين في وقت كان الأصل فيه هو التحاكم إلى الشريعة, وقيام الدولة على حراسة الدين وسياسة الدنيا به, وإن غشيها من المظالم ما غشيها, فكانوا مبطلين خارجين عن الحقّ.

ويرفعه اليوم أبناء العمل الإسلامي وقد أعلنت العَلمانية وحكّمت القوانين الوضعية التي تحل الرّبا والزّنا والفواحش ما ظهر منها وما بطن وتحميها بقوة الشرطة والقضاء, يرفعونه ليردّوا به الأمر إلى الله -جلّ وعلا- ولينتصروا به لشريعتهم المضاعة وكتابهم المهدور وليدفعوا عن الأمة شرك التشريع بما لم يأذن به الله وباطل التحاكم في الدماء والأموال والأعراض إلى غير ما أنزل الله فكانوا مجاهدين أنصارًا لله ورسوله.

وعجبًا لهؤلاء الذين وقفوا حياتهم على حماية العَلمانية, وتحكيم القوانين الوضعية, وفتنة المؤمنين والمؤمنات من أبناء الحركة الإسلامية ثم يتباكون بعد ذلك على مذهب أهل السنَّة ويشنّعون على مخالفيهم بأنهم من الخوارج!

ترى هل صحّ عندهم في مذهب أهل السنة تحكيم القوانين الوضعية وإلغاء الشريعة الإسلامية؟

هل صحَّ عندهم في مذهب أهل السنَّة أن يكون الحق في التشريع المطلق لمجلس من المجالس يحلّ به ما يشاء ويحرم به ما يشاء على ما تقتضيه أهواء أعضائه ومصالحهم بمعزل عن هداية الكتاب والسنَّة, بل مراغمة للكتاب والسنة ومضادة لأحكامهما القاطعة المتواترة؟.

هل صحَّ عندهم في مذهب أهل السنَّة إباحة الرِّبا بقانون, وإباحة الردّة بقانون, وإباحة الزِّنا بقانون, وإباحة الخمر بقانون, وحماية التبرّج بقانون, وحماية المراقص الليلية بقانون, وتعطيل التحاكم إلى الشريعة بقانون .. إلخ.

هل صحَّ كل ذلك في مذهب أهل السنَّة الذي يدين به ويغار عليه هؤلاء؟! .. أو هكذا يدَّعون!!

أما نحن فنُشهد الله أننا نبرِّئ مذهب أهل السنَّة والجماعة من كل هذه الضلالات, فهو المنهج القويم الحق والصراط المستقيم, وأهله هم الفرقة الناجية بين بقية الفرق الضالة المتوعدة بالنار على لسانه , - صلى الله عليه وسلم - , وما عرف أصحابه على مدار التاريخ إلا دعاة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت