ذلك لإعراضهم عنه، وإلا فلو التفتوا إليه أدنى التفات، لتبين لهم الحق من الباطل تبينًا واضحًا جليًا." [1] اهـ."
فالحق أبلج وأوضح من الشمس في رابعة النهار، والحق واضح والله -عز وجل- وصفه بأنه (بلاغ مبين) وبأنه (كتاب مبين) وأنه (ظاهر) ، والنبي -عليه الصلاة والسلام- قال: (قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ) [2] ، فالليل والنهار فيها سواء، كناية عن منتهى الوضوح، فالحق ليس فيه خفاء. فالسبب الحقيقي لعدم سلوكهم الحق طريقةً ومنهاجًا هو الإعراض.
فالعيب ليس في الحق، حاشا لله أن نطعن في شريعة ربنا، وإنما العيب في هذه العقول وفي هذه النفوس وفي هذه القلوب التي لا تتعامل بإنصاف مع الكتاب والسنة، وإنما تتعامل بأمور مبيتة في نفوسها، أمور أحكمت عليها قلبها واعتقدتها حقًا وصوابًا. ( ... ) .
والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول في الحديث الصحيح المروي عن جمع من الصحابة؛ منهم أبو هريرة وابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وابن مسعود وغيرهم، وهو عند الإمام مسلم ذكره في [كتاب الإيمان باب تحريم الكبر 1\ 65] ، ورواه كذلك أبو داوود والترمذي وأحمد والحاكم، وخرجه الألباني في السلسلة الصحيحة، يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ) [3] ، وفي رواية الترمذي: (وغَمَصَ الناس) [4] بالصاد.
يقول النووي في شرحه لهذه الجملة من هذا الحديث، يبين الفرق بين (غمط) و (غمص) :"وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَمَعْنَاهُ احْتِقَارُهُمْ .."اهـ، ( .. ) ثم قال النووي:"أما بَطْرُ الْحَقِّ فَهُوَ دَفْعُهُ وَإِنْكَارُهُ تَرَفُّعًا وَتَجَبُّرًا"اهـ [5] ؛ فيتجبر أن يخضع لقول فلان وعلان، ويتجبر أن يقبل منك كلام الله وكلام رسوله -صلى الله عليه وسلم- وإجماع العلماء، لأنه خرج منك ولو خرج من شيخه ومن فلان وعلان لقبله، فهذا ليس متجردًا للحج وليست بغيته مرضاة الله -سبحانه وتعالى-.
(1) تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان) ، طـ الرسالة، 1\ 521
(2) مسند الإمام أحمد (17142) .
(3) صحيح مسلم (147) .
(4) سنن الترمذي (1999) .
(5) ، للإمام النووي، الطبعة الثانية دار إحياء التراث، 2\ 90. ا المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج