الصفحة 18 من 83

ويقول ابن الأثير في كتابه المشهور (النهاية في غريب الحديث والأثر) ، يقول في شرحه لهذه الجملة من الحديث (الكبر بطر الحق) :"وَقِيلَ هُوَ أَنْ يتَجبَّر عِنْدَ الْحَقِّ فَلَا يَرَاهُ حَقًّا. وَقِيلَ هُوَ أَنْ يتكبَّر عَنِ الْحَقِّ فَلَا يقبلُه." [1] اهـ.

فالمتكبر مهما تعرض له وتعرض عليه وتقرر له لا يستجيب؛ لأنه أحكم في قلبه فكرةً ورأيًا فيك وفي ما تقول، فمهما تحاول معه تجد آذانًا مغلقة وقلوبًا مغلفة. وحُرّمت الجنة على من في قلبه مثقال ذرة من كبر، فلينتبه الإنسان لنفسه. والأخطر من ذلك أن يصد الناس عن اتباع الحق، والأخطر من ذلك أن ينبري داعيةً لتلك الضلالات التي يظن أنها حق محض فيبوء بإثمه وإثم الآخرين.

والمسكين لا يعلم -أو يعلم ولكنه ينسى أو يتناسى في خضم الشبهات- أن عاقبة الإعراض عن الحق وبيلة بل مصيبة في الدنيا والآخرة، لا يعمل أن عاقبة الإعراض عن الحق هي انقلاب القلوب والزيغ والوقوع في الشبهات وفي البدع والتي ربما تنتهي إن لم تتداركه رحمة الله إلى الشرك والخروج من هذا الدين بالجملة، قال تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [2] .

يقول الإمام ابن كثير تفسيره لهذه الآية:"أَيْ فَلَمَّا عَدَلُوا عَنِ اتِّبَاعِ الْحَقِّ مَعَ عِلْمِهِمْ بِهِ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ عَنِ الْهُدَى وَأَسْكَنَهَا الشَّكَّ وَالْحَيْرَةَ وَالْخُذْلَانَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ} ." [3] اهـ.

واستمع لقوله تعالى، استمع لتلك الآية: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [4] ، ويقول الشيخ السعدي في تفسيره:"أي: ونعاقبهم، إذا لم يؤمنوا أول مرة يأتيهم فيها الداعي، وتقوم عليهم الحجة، بتقليب القلوب، والحيلولة بينهم وبين الإيمان، وعدم التوفيق لسلوك الصراط المستقيم، وهذا من عدل الله وحكمته بعباده، فإنهم الذين جنوا على أنفسهم، وفُتِحَ لهم الباب فلم يدخلوا، وبُيِّن لهم الطريق فلم يسلكوا، فبعد ذلك إذا حُرموا التوفيق، كان مناسبًا لأحوالهم." [5] اهـ.

(1) كتاب (النهاية في غريب الحديث والأثر) ، لابن الأثير، 1\ 135

(2) سورة الصف الآية 5.

(3) تفسير ابن كثير، ط دار الكتب العلمية، 8\ 136

(4) سورة الأنعام الآية 110

(5) تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان) ، 1\ 269

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت