والمولى -سبحانه وتعالى- يقول: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [1] ، وانظر لتفسير الإمام أحمد:"الْفِتْنَةُ الشِّرْكُ، لَعَلَّهُ أَنْ يَقَعَ فِي قَلْبِهِ شَيْءٌ مِنَ الزَّيْغِ فَيَزِيغَ فَيُهْلِكَهُ" [2] .
والإمام استدل بهذه الآية في مسألة فرعية؛ في ذلك الرجل الذي أراد الخروج للحج من المدينة إلى مكة، فأراد أن يحرم من غير المكان الذي كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يحرم منه، فاستدل الإمام بهذه الآية، فإذا كان هذا في مسألة فرعية من الفقهيات فما بالك بالعقيدة وأصول الإيمان وحقيقة التوحيد؟!
والله -عز وجل- يقول كذلك: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [3] ، ثم قال تعالى معقبًا: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [4] . عقابًا من المولى -سبحانه وتعالى-، الذي يعرض عن الاستجابة لله ورسوله يكون العقاب القاسي أن الله تعالى يحول بينه وبين هذا الحق، يريد أن يتّبعه وأن يسلك هذا النهج فلا يستطيع، لأنه فرّط يوم أن عُرض عليه ويوم أن قُرّر بين يديه.
ولله در الإمام العَلَم العلّامة ابن القيم -رحمه الله-، لله دره إذ يقول في نونيته:
واللهِ ما خوفي الذنوبُ فإنها ... لعلى طريق العفو والغفران
لكنّما أخشى انسلاخ القلب من ... تحكيم هذا الوحي والقرآن
ورضًا بآراء الرجال وخَرْصِهَا ... لا كان ذاك بمنّة الرحمن
ابن القيم ذلك العابد العالم الرباني يقول هذا الكلام، يخاف -رحمه الله- من أن يُعرض عن تحكيم كتاب الله في كل قول وفي كل فعل، ولو أن كلًا منا ألزم نفسه بهذا الأمر لانصلح حالنا، ولما رأينا ولما سمعنا بتلك الأمور التي يستحي الإنسان أن يُصرِّح بها.
ونختم بقوله -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم-: (إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ) [5] ، العاقل لا يعطي عقله لكل ناعق ولكل من هبّ ودبّ، ليست هذه صفة المسلم، المسلم عاقلٌ أريب كَيِّسُ فَطِنُ وليس كِيسُ قُطْن! له منهج يعرض عليه كل كبيرة وصغيرة،
(1) سورة النور الآية 63.
(2) (الإبانة الكبرى) لابن بطة أثر رقم (97) ,
(3) سورة الأنفال الآية 24.
(4) سورة الأنفال الآية 24.
(5) صحيح البخاري (5143) وصحيح مسلم (2563) .