الصفحة 35 من 83

السلام يُقلّب وجهه في السماء ويتمنى أن يأتيه الوحي ليغير القبلة إلى القبلة التي يحبها ويرضاها وهي الكعبة، وبالفعل جاء الأمر الرباني بتغيير القبلة والعودة إلى القبلة الأولى؛ إلى مكة المكرمة إلى البيت الحرام.

يقول تعالى: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [1] ثم قال تعالى: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [2] أي حتى لا يحتج اليهود بأنكم توافقونهم في دينهم بأنكم تتجهون إلى قبلتهم.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب (اقتضاء الصراط المستقيم) في شرحه لهذه الآية:

"قال غير واحد من السلف معناه: لئلّا يحتج اليهود عليكم بالموافقة في القبلة، فيقولون: قد وافقونا في قبلتنا، فيوشك أن يوافقونا في ديننا، فقطع الله بمخالفتهم في القبلة هذه الحجة ... فبين سبحانه أن من حكمة نسخ القبلة وتغييرها مخالفة الناس الكافرين في قبلتهم، ليكون ذلك أقطع لما يطمعون فيه من الباطل، ومعلوم أن هذا المعنى ثابت في كل مخالفة وموافقة، فإن الكافر إذا اتُّبع في شيء من أمره كان له في الحجة مثل ما كان أو قريب مما كان لليهود من الحجة في القبلة."اهـ. [3]

نشرح هذه المقولة؛ ابن تيمية يقول: أنّ الحكمة من تغيير القبلة هي قطع الحُجّة على المشركين وعلى الكفار، وهذه الحجة موجودة في كل أمر أُمرنا فيه بمخالفة الكفار والمشركين وعدم موافقتهم؛ لأن كل كافر أو مشرك توافقه في مسألة ولو في جزئية صغيرة يأخذ من تلك الموافقة نفس الحجة التي أخذها اليهود من موافقة المسلمين لقبلة اليهود، فلا بد من قطع هذا الباب، ومن قطع هذه الحجة، وأن لا نوافقهم وأن نخالفهم في كل أمر وإن كان في نظرنا أنه قليل.

يقول سيد -رحمه الله- في تفسيره (في ظلال القرآن) :"والجماعة المسلمة التي تتجه إلى قبلة مميزة يجب أن تدرك معنى هذا الاتجاه. إنّ القبلة ليست مجرد مكان أو جهة تتجه إليها الجماعة في الصلاة. فالمكان أو الجهة ليس سوى رمز. رمز للتميز والاختصاص. تميز التصور، وتميز الشخصية، وتميز الهدف، وتميز الاهتمامات، وتميز الكيان .." [4] اهـ.

(1) سورة البقرة الآية 150.

(2) سورة البقرة الآية 150.

(3) كتاب (اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم) لابن تيمية 1\ 100

(4) (في ظلال القرآن) ليسد قطب 1\ 129,

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت