الصفحة 36 من 83

وهذا الأمر تجد له أمثلة كثيرة في سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- أمرنا في جملة كثيرة من الأوامر بمخالفة المشركين واليهود والنصارى والمجوس والأعاجم، حتى في أمور هي عند الناظر أمور بسيطة، إلا أن الشارع يعلم أن المخالفة في حد ذاتها مقصودة، إحياءً وتنبيهًا وإيقاظًا لروح الموالاة والمعاداة، وحفظًا لهذه العقيدة من الانحراف، وإقامةً لذلك السد المنيع بينك وبين المشركين على اختلاف أصنافهم.

وفي الحديث المتفق عليه عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ» ، قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ: اليَهُودَ، وَالنَّصَارَى قَالَ: «فَمَنْ» ) [1] .

ولهذا الحديث رواية أخرى في صحيح الإمام البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَأْخُذَ أُمَّتِي بِأَخْذِ القُرُونِ قَبْلَهَا، شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ» فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَفَارِسَ وَالرُّومِ؟ فَقَالَ: «وَمَنِ النَّاسُ إِلَّا أُولَئِكَ» . [2] .

يقول الدكتور ناصر بن عبد الكريم العقل في كتابه (من تشبَّه بقوم فهو منهم) صـ 13:"والسنن هنا التي أخبر بها النبي -صلى الله عليه وسلم- قال أهل العلم: تشمل العقائد والعبادات والأحكام والعادات والسلوك والأعياد."اهـ. فهذه الأمور لا يخرج منها نوع من أنواع النشاط البشري منها؛ فكلها من السنن التي حذرنا النبي -صلى الله عليه وسلم- أن نتشبه فيها بالفرس والروم واليهود والنصارى وغيرهم من المشركين.

ومن ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم- فيما أخرجه عنه الإمام أحمد في مسنده، وأبو داوود في سننه بإسناد جيد، والحديث عن ابن عمر -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال (مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ) [3] .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في شرحه لهذا الحديث في (اقتضاء الصراط المستقيم) :"وهذا الحديث أقل أحواله أن يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم كما في قوله: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [4] هـ.

إذًا أقل درجات المشابهة وأقل أحوالها هو التحريم، والأمور التي أُمرنا فيها مخالفة الكفرة باختلاف أجناسهم كثيرة جدًا؛ منها ما ذكره الشيخان عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-:

(1) صحيح البخاري (3456) ، صحيح مسلم (2669) .

(2) صحيح البخاري (7319) .

(3) مسند الإمام أحمد (5115) ، سنن أبي داوود (4031) الجامع الصغير للسيوطي (11094) ،

(4) كتاب (اقتضاء الصراط المستقيم) لابن تيمية 1\ 270.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت