وبين هؤلاء، وتأمل لماذا يقابل هؤلاء بتلك المقابلة ولماذا يقابل أولئك بتلك المقابلة؟ وتأمل بعقل، فوالله إن المسألة أوضح من الشمس.
والله ما استويا ولن يتلاقيا ... حتى تَشيبَ مفارِقُ الغربان
شتّان بين الحالتين فإن تُرِد ... جمعًا فما الضّدانِ يجتمعان
ولكنها الشبه والغبش، كما قال أحدهم: يقضى على المرء في أيام محنته حتى يرى حسنًا ما ليس بحسن، يرى الديك ويظنه حمارًا.
يقول سيد في تفسير لسورة (الكافرون) وهو يبرر لماذا تذهب الجاهلية للنبي -صلى الله عليه وسلم- طائعةً مختارةً وتطلب منه أن يلتقي معها في منتصف الطريق، يقول -رحمه الله-:
"لعل هذا كان يشعرهم أن المسافة بينهم وبين محمد قريبة، يمكن التفاهم عليها، بقسمة البلد بلدين، والالتقاء في منتصف الطريق مع بعض الترضيات الشخصية! ولحسم هذه الشبهة، وقطع الطريق على المحاولة، والمفاصلة الحاسمة بين عبادة وعبادة، ومنهج ومنهج، وتصور وتصور، وطريق وطريق .. نزلت هذه السورة. بهذا الجزم. وبهذا التوكيد. وبهذا التكرار. لتنهي كل قول، وتقطع كل مساومة وتفرق نهائيًا بين التوحيد والشرك، وتقيم المعالم واضحة، لا تقبل المساومة والجدل في قليل ولا كثير:" [1] اهـ ( ) .
واليوم تجري نفس المحاولة ونفس القسمة ولكن قسمة القوم قديمًا كانت قسمة زمنيّة؛ فقالوا نعبد إلهك سنة وتعبد آلهتنا سنة، أمّا اليوم فالقسمة موضوعية، فبعض الأمور لكم وبعض الأمور لنا. والقسمة هي نفس القسمة، والمنطلق هو نفس المنطبق، والتصور هو نفس التصور، بدون تغيير يُذكر.
واستمع لآية أخرى في كتاب الله تبين لك تلك المحاولات المستميتة مع الجاهلية للالتقاء مع أصحاب الحق والدعوة، يقول تعالى في السورة المكية سورة (القلم) : {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} [2] ؛ فهم أحبوا هذا وتمنوه وسارعوا إليه، بذلوا في سبيله كل ما يملكوه ولو أن يتنازلوا عن بعض باطلهم، والمسكين يظنّ أنه هو الذي استطاع أن يخادعهم، ولو قارن هو بين ما يفعل معه وبين ما يفعل مع غيره لعلم أن المسألة فيها مساومة على الدين وعلى العقيدة.
(1) (في ظلال القرآن) لسيد قطب -رحمه الله- 6\ 3996
(2) سورة القلم الآية 9.