الصفحة 79 من 83

يقول سيد -رحمه الله-:"إنهم على استعداد للتخلي عن الكثير منها في مقابل أن يتخلى هو عن بعض ما يدعوهم إليه! على استعداد أن يُدهنوا ويلينوا ويحافظوا فقط على ظاهر الأمر لكي يُدهن هو لهم ويلين .. فهم ليسوا أصحاب عقيدة يؤمنون بأنها الحق، وإنما هم أصحاب ظواهر يهمهم أن يستروها: {فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ. وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} ، فهي المساومة إذن، والالتقاء في منتصف الطريق. كما يفعلون في التجارة. وفرق بين الاعتقاد والتجارة كبير! فصاحب العقيدة لا يتخلى عن شيء منها لأن الصغير منها كالكبير. بل ليس في العقيدة صغير وكبير. إنها حقيقة واحدة متكاملة الأجزاء. لا يطيع فيها صاحبها أحدًا، ولا يتخلى عن شيء منها أبدًا. وما كان يمكن أن يلتقي الإسلام والجاهلية في منتصف الطريق، ولا أن يلتقيا في أي طريق." [1] اهـ ( ... ) .

يقول الشيخ سليمان بن سحمان في كتابه (كشف الشبهتين) صـ 33 معلقًا عن محاولات الجاهلية المستميتة للالتقاء مع أهل الحق، وعن سبب الجاهلية الرئيسي للالتقاء مع أهل الحق، يقول -رحمه الله-:

"مبادأة أعداء الله بالعداوة والبغضاء هو الواجب وترك ذلك من المداهنة، وللشيطان وأعوانه غرض في الطائفتين قال تعالى: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} [2] " [3] اهـ، لأنها وسيلة إلى السلم ووضع الحرب بين الطائفتين، لو تحقق هذا الالتقاء كما قلنا فلن يبقى بعد ذلك معنى للموالاة والمعاداة، ولن يبقى بعد ذلك معنى لإعلانك الحرب من جانبك على تلك الجاهلية، بعد أن تلتقي معهم وتضع يديك في أيديهم، فهذا تناقض بيّن صارخ، ومن ثمّ يفقد كلامك مصداقيته أمام الناس، وهذا الذي تعرفه الجاهلية وتسعى إليه حتى تحطم صورة الحق وصورة أتباعه بين الناس، فينقطع بذلك الطريق عليهم بالنكير عليها، فضلًا عن هدمها ومحاولة إزالتها من الوجود.

واستمع لآية أخرى من كتاب الله، آية عجيبة في هذا المقام، تبين محاولات الجاهلية المستميتة لصرف الدعاة عن جادة الطريق والالتقاء معهم ولو في القليل، قال تعالى: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (*) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (*) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا} [4] .

(1) (في ظلال القرآن) لسيد قطب -رحمه الله- 6\ 3658

(2) سورة القلم الآية 9.

(3) كتاب (كشف الشبهتين) للشيخ سليمان بن سحمان صـ 33، نقلنا نص الكلام لا نص ما قال الشيخ المهاجر.

(4) سورة الإسراء الآيات 73 - 75

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت