وهذه الآيات تستحق منّا وقفة طويلة، وكل مقطع منها مليء بالإعراب فيما يتعلق بواقعنا، والقرآن لكلّ زمان ومكان.
أول مقطع من الآيات يُبيّن استماتة المشركين في محاولة أن يصرفوا النبي -صلى الله عليه وسلم- ولو قليلًا عن الدعوة، وهذه الاستماتة مع النبي المعصوم المؤيد بالوحي، خاتم الأنبياء، سيد الخلق، محمد -صلى الله عليه وسلم-، فكانوا يستميتون معه مع كل هذه الأوصاف التي عنده، فما بالكم باستماتتهم بمن هو دونه؟ ستكون أشد وأنكى، ويسعون إليها بكل طاقتهم.
مع النبي -عليه الصلاة والسلام- الذي يعرفون أنهم أن يمسّوا دينه بشعرة أبعد لهم من الشمس أي يشعلوا منها شعلة، ورغم ذلك يحاولون فما بالك بالمحاولة مع غيره؟
وفي نفس الوقت يقول الله تعالى للنبي -عليه الصلاة والسلام-: {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا} ؛ فالنبي المعصوم المؤيد بالوحي لولا تثبيت الله إياه ولولا عصمة الله إياه لركن إليهم شيئًا قليلًا، فما بالك باستجابة غير المعصوم؟ وما بالك باستجابة من يظن أن العقل كل العقل في فعله؟ وما بالك باستجابة من استقلّ برأيه؟ ومن ابتعد بعدًا بينًا عن كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-؟ لاشك أن استجابتهم ستكون أشد وأسرع وأن الفتنة منه بهم أعظم بكثير.
الوقفة الثانية: لماذا كل هذه المحاولات من الجاهلية؟ الجواب من الآية الكريمة: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ} ، أي من أجل فتنته وفتنة أتباعه إلى يوم الدين عن هذا المنهج الذي أُنزل إليه، ولو في القليل.
كما جاء الوعيد الشديد للنبي من أجل الفتنة عن الشيء القليل، أما اليوم فالتنازل يكون عن المعتقد والشرائع ومعنى التوحيد ومعنى لا إله إلا الله، كل هذه الأمور تم التنازل عنها من أجل بعض الأمور الموهومة، ثم يقول:"لمصلحة الدعوة"، فهل بقي أي معنى للدعوة؟
يقول الشيخ السعدي في تفسيره لتلك الآيات:"على أن تفتري على الله غير الذي أنزلنا إليك، فتجيء بما يوافق أهواءهم، وتدع ما أنزل الله إليك." [1] اهـ. واليوم القوم تركوا الأصول قبل الفروع من أجل أن يلتقوا مع الجاهلية.
الوقفة الثالثة: بيّن تعالى أن النبي لو ركن إليهم -حاشاه صلى الله عليه وسلم- لاتخذوه خليلًا، وصار من المقربين وممن تتسع لهم المجالس والصدور، وتفتح له المحافل، يتبوءون أعلى المناصب، ويُغدق عليه المال والجاه وكل المساعدات، وبالفعل اتخذت الجاهلية القوم اليوم
(1) تفسر السعيد (تيسير الكريم الرحمن) 1\ 463.