أخلاء بل وأعوان، وهذا المكر الجاهلية الكبار كما قال تعالى: {وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} [1] .
رغم أن هذا الركون من النبي -صلى الله عليه وسلم- لو حدث وحاشا لكان ركونًا قليلًا، وسيأتي معنا تفسير أهل العلم للركون في قوله تعالى: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} [2] ، وسيأتي معنا أثر سفيان الثوري في أن هذا الركون يدخل فيه من لاق لهم دواة أو برى لهم قلمًا، وقارن بين هذا المعنى وبين ما نحن فيها من انغماس فيهم إلى الآذان.
الحق مر، والكلام فيه قاسٍ وشديد، ولكن هذا هو الدين، فمن شاء فليمد يده، ومن شاء فليُحجم.
يقول الشيخ السعدي في تفسيره:" {لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا} أي حبيبًا صفيًا، أعز عليهم من أحبابهم" [3] اهـ. وهم بالأمس كانوا يحاربونه ويعادونه وينابذونه العداء ويتمنوّن أن يدركوه فيفتكوا به، ولكن يوم أن تتنازل يتخذوك حبيبًا.
الوقفة الرابعة: قوله تعالى: {إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا} ، والحديث والخطاب لأشرف الخلق، للخليل وللحبيب محمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
فتحاولون أن تجدوا أي وسيلة لأسباب السماوات فتجدوها قد قطعت عنكم، فتحاولون أن تجدوا أي وسيلة لأسباب الأرض فتجدوها قد قطعت عنكم، وإن ظننتم أنكم وصلتم للسؤدد وللنصر والتمكين، وإن ظننتم أنكم حققتم مكاسب كبيرة جدًا.
وهذا الخطاب كان للنبي -عليه الصلاة والسلام- فما بالك بمن هو دونه؟ وما بالك بالقرون التي قال عنها النبي: (لاَ يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلَّا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ، حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ) [4] ، وهذا الوعيد في الركون القليل فما بالك بهذا الانغماس حتى الآذان في الجاهلية؟
وكيف بمن سارع فيهم واختلط بهم وشاركهم في احتفالاتهم وأعيادهم وفي قوانينهم وتشريعاتهم وفي برلماناتهم وانتخاباتهم، بل وفي وزاراتهم وحكوماتهم؟
بل كيف بمن دافع عنهم ونافح؟
(1) سورة إبراهيم الآية 46
(2) سورة هود الآية 113
(3) تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن) 1\ 463
(4) صحيح البخاري (7068)