فالمرفوع الصريح هو أن يُقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو فَعَلَ النبي صلى الله عليه وسلم كذا، أو فُعِلَ بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم كذا، فهذا مرفوع صريحًا.
أما المرفوع حكمًا فهو كلام الصحابي الذي يتورع عن الجرأة في الدِّين، ولم يأخذ عن الإسرائيليات ونحوها، وتكلّم بما لا مجال للرأي فيه، فإن له حكم الرفع، حيث إنه لا يُقال مثل هذا بالرأي وعلى هذا تحمل كثير من أحاديث الصحابة الموقوفة فإن يوجد أحاديث موقوفة على الصحابة كعمر وعثمان وعلي، وابن عمر، وأنس وجابر ونحوهم، فهذه الآثار أقوال يقولونها وأفعال يفعلونها لها أحكام ولا يمكن أن يفعلوها من تلقاء أنفسهم، بل لابد أن يكونوا تلقوها عن نبيهم صلى الله عليه وسلم سواء كانت في العبادات أو في المعاملات، وسواء كانت أفعالًا أو تروكًا، فإن لها حكم الرفع.
وقد ألحق بذلك بعضُ العلماء ما كان عن التابعين، ولكن الصحيح أن التابعي ما وقف عليه، فهو أقل رتبة مما وقف على الصحابي، فالصحابي إذا انتهى إليه الإسناد فإنه يسمى موقوفًا، ولكن إن كان لا مجال للرأي فيه فهو مرفوع حكمًا، وإن كان للرأي مجال فيه فهو موقوف أصلًا وفرعًا، أما إن انتهى إلى التابعي (وهو الذي رأى الصحابة) كسعيد بن المسيب، وقتادة، ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سليم، والزهري وأشباههم، فإن ما وقف عليه يسمى مقطوعًا.
(وما لنابع هو المقطوع) يعني: ما وقف على التابعي وجعل من كلامه فإنه مقطوع، وقد دونت فتاواهم وأقوالهم، وما تركت تضيع، حتى ولو كانوا من التابعين؛ لأنهم تلامذة الصحابة، فاعتنى كثير من العلماء بأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم المرفوعة ودوّنوها، كأهل السنن وأهل الصحيحين ونحوهم.
وبعض العلماء الذين ألفوا في كتب الأحكام لم يقتصروا على المرفوع، بل ألحقوا به أقوال الصحابة وأقوال التابعين وأفعالهم واجتهاداتهم، ولو كان فيها شيء من الاختلاف، فإنها تدل على أن هذه المسألة فيها مجال للاجتهاد، وقد نجد اختلافًا عن بعض الصحابة فقد اختلفوا في المستحاضة كم تجلس؟ واختلفوا في من أتى حائضًا هل يكفر أم لا؟ واختلفوا في إزالة النجاسة بكم