فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 52

ومثله (بقية بن الوليد) فهو مشهور أيضًا بتدليس التسوية، وفيه يقول بعض العلماء: أحاديث بقية، ليست نقية، فكن منها على تقيّة. أي على حذر، وقد تجده مصرحًا بالتحديث بأن يقول: حدَّثنا بقية بن الوليد، حدَّثنا هشيم، عن الزهري ولكن لا ينفعه تصريحه بالتحديث؛ لأنه يسقط شيخ هشيم الذي بينه وبين الزهري ويسقط شيخ الأعمش فيحدث عن الأعمش عن ثقات، وهكذا.

فالحاصل أن تدليس التسوية هو شر أنواع التدليس والسبب:

(أولا ً) : أن الناس ينخدعون به إذا رأوه قد صرَّح بالتحديث، فإذا قالوا: فيه بقية بن الوليد وهو مدلس، وقد صرح بالتحديث، فيقبلون حديثه وما فهموا أنه لم يسقط شيخه، وإنما أسقط شيخ شيخه.

(ثانيا) : أن شيخه الذي حدَّث عنه - حيث قال: حدَّثنا شعبة، أو قال: حدَّثنا سفيان - ليس من أهل التدليس، فإذا رأيناه روى عن قتادة، قلنا: هذا الإسناد ثابت ولو بكلمة (عن) بأن قال: حدَّثنا شعبة عن قتادة، فقد يكون بينهما يزيد بن أبي زياد، أو ليث أبن أبي سليم، أو عوف الأعرابي، أو غيرهم ممن فيه ضعف، فأسقطه بقية بن الوليد مع أن شعبة ليس من أهل التدليس، بل يذمُّ التدليس، فلو رآه الباحث قال: هذا إسناد مقبول، هذا إسناد ثابت، صرح فيه بقية بن الوليد بالتحديث قال: حدَّثنا شبعة، وشعبة ليس من المدلَّسين، وقد رواه عن قتادة، فيصير شر أنواع التدليس؛ لأن شيخه ليس من أهل التدليس، وقد رواه بالعنعنة عن قتادة ولم يتجرأ أن يقول فيه: حدَّثنا قتادة. وشعبة ما قال حدَّثنا قتادة، فإنَّ شعبة كثيرًا ما يقول: عن قتادة ولا يدل أن بينه وبينه واسطة، وإنما للاختصار مثلًا.

وهناك تدليس آخر وهو الذي أشار إليه الناظم، وهو أن يوصف الشيخ بما لا يتميز به بأن يكني المسمى، أو يسمي المكني أو يذكره باسم غير مشهور به، أو ما أشبه ذلك، فغالبًا ما يفعل ذلك المدلسون إذا رووا عن إنسان مشهور بالضعف، لم يصرحوا باسمه ليقبل حديثه، فمثلًا هناك عبدالله بن المسور الهاشمي مشهور بالضعف، بل بوضع الحديث، كان يضع أحاديث كلام حق ليست من قول النبي صلى الله عليه وسلم فيركب لها إسنادًا، ويجعلها مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيروي عنه أناس، ولا يذكرونه باسمه أي لا يصرّحون به فيقول أحدهم: حدَّثنا الهاشمي، أو حدَّثنا عبيد الله الهاشمي، أو يُكَنُّونُه بأن يقولوا: حدَّثنا أبو هاشم، أو ما أشبه ذلك فالذي يرى الحديث قد يقول: هذا حديث رجاله مستورون، وإنَّما يتفطن لهذا أهل المعرفة بالحديث، إذ الرجل لم يكن اسمه واضحًا مشهورًا بالضعف أو بالكذب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت