يروي التابعي عن تابعي عن تابعي إلى أربعة أو خمسة أو ستة بعضهم عن بعض، وكلهم متقاربون، وتكثر الوسائط، فلأجل ذلك قالوا: إن العالي أصح، وأقوى، وأقرب إلى الثقة بهم، وقد كانوا يحرصون على العلو، فكثيرًا ما توجد الأحاديث عند الشيخ في بلاده نازلة، فيسافر مسيرة شهر أو أكثر، لأجل أن يحصل عليه بإسناد أقل لأنه يسقط عنه رجل.
فمثلًا: الإمام أحمد يروي عن عبدالله بن عمر أحاديث ليس بينه وبينه إلا اثنان، يرويها مثلًا عن إسماعيل بن جعفر، عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر؛ لأن ابن عمر طال عمره إلى أن توفي في حدود سنة 74 هـ وتتلمذ عليه عبدالله بن دينار في آخر حياته وحفظ منه علمًا، وطالت حياة عبدالله بن دينار فمات سنة 127 هـ، فأدركه بعض مشايخ أحمد كسفيان بن عيينة وإسماعيل بن جعفر ونحوهما، فرووا عنه فتكون أحاديثه ثلاثية حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبدالله ابن دينار، عن ابن عمر، وكذلك أحاديث أنس حيث أدركه الزهري، وإن كان الزهري لم يُعمرْ أي ما طالت حياته، ولكن أنسا عُمر حتى توفي سنة 93، وعاش بعده الزهري ثلاثًا وثلاثين سنة 126 وتوفي سنة 5 والإمام أحمد يروي عن ابن عيينة ويقول: حدثنا ابن عيينة عن الزهري، عن أنس، فأحاديثه عنه ثلاثية.
كذلك البخاري عنده الأحاديث الثلاثيات فليس بينه وبين الصحابي إلا اثنان، وبينه وبين الرسول صلى الله عليه وسلم ثلاثة، ومنها أحاديث عن أنس يرويها عنه تلميذه حُميد الطويل الذي عُمِّر فأدركه محمد بن عبدالله الأنصاري فالبخاري يقول: حدَّثنا محمد بن عبدالله عن حميد عن أنس فهذا إسنادٍ عال، وكذلك سلمة بن الأكوع عُمر يعني عمرًا متوسطًا توفي سنة 74 هـ، ولكن تلميذه ومولاه يزيد بن أبي عبيد عُمر بعده فأدركه مشايخ البخاري فصار يروي عن سلمة أحاديث ثلاثية، فيقول: حدّثنا مكي بن إبراهيم، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع، فهذا حديث عال، فإذا كثرت الرجال فإنه يسمى نازلًا، فقد تجد بين البخاري وبين الرسول صلى الله عليه وسلم سبعة أحيانًا، ويكون ذلك لأن بعضهم يروي عن بعض، وهم متقاربون فيقول مثلًا: حدّثنا عمر بن حفص، حدّثنا أبي، حدّثنا الأعمش عن إبراهيم النخعي عن علقمة بن قيس عن ابن مسعود فهذا بينه وبين الرسول صلى الله عليه وسلم ستة، وقد يحدث عن بُندار عن غندر عن شعبة عن الأعمش فهذا إسناد فيه نوع من النزول بالنسبة إلى الثلاثي، هذه هي الأحاديث العالية والنازلة، ورغبتهم في الأحاديث العالية لقلة الوسائط وقلة الرجال، فقد يسافرون -كما ذكرنا- لأجل سقوط رجل أو رجلين.
فالإمام أحمد توجد عنده أحاديث في بغداد نازلة، ولكنها توجد عند بعض المشايخ عالية مثل عبدالرزاق، فسافر أحمد من بغداد إلى صنعاء لأجل أن يسمع منه أحاديث هي موجودة عنده في بغداد، لكنها نازلة، فأراد أن يأخذها عن عبدالرزاق لتكون عالية، فقد يكون بينه وبين الرسول صلى الله عليه وسلم مثلًا ستة فإذا أخذها عن عبدالرزاق ارتفع إلى خسمة أو أربعة فقد يقول: حدّثنا