بناء على ما تقدم، فإن حكم هذه الصورة على أحوال ثلاثة:
الحال الأولى: أن يكون الشراء أو البناء بأموال غير زكوية، ثم يجعل للريع للفقراء على أنه من الزكاة الواجبة، وتقدم أن هذا لا شئ فيه البتة، وأنه جائز، وهو لا يعدو كونَه إخراجا للزكاة على الوجه المعتاد، مع توفر كافة شروط الزكاة في المال المُزَكى، كبلوغ النصاب، وحولان الحول، والملك التام، ونحوه.
الحال الثانية: أن يشتري المالك الأصلي أو يبنى المسكن بأموال زكوية، يريد به الاستثمار، فإنه لا يجوز بحال، بل الواجب على المالك الأصلي بمجرد وجوب الزكاة إخراج المال، ولا يجوز له استثماره بحال.
حتى عند وجود عذر يسوغ له التأخير، كما تقدم، فإنه لا يجوز له -والحال كذلك- الاستثمار، لاحتياج الاستثمار لوقت طويل في الغالب، قد يتجاوز التأخر الذي جاز له للعذر.
الحال الثالثة: أن يكون هذا التصرف من الإمام أو نائبه، فإذا كان الأمر كذلك فإن ثمَّت إشكالا كبيرا في هذه الحال؛ وذلك أن الواجب في المال الزكوي أن يدفع إلى مستحقيه بمجرد الوجوب، ولا يضر التأخر اليسير إذا اقتضته المصلحة كما تقدم، ومعلوم أنه إذا اشتُرِيَ المسكن أو بُني بأموال الزكاة على وجه الاستثمار، فإنه في هذه الصورة يبقى المسكن تحت تصرف الجهة المشرفة عليه، الممثِّلة للإمام أو النائبة عنه، وهذا يعني عدمَ وصول أصل هذا المسكن إلى المستحقين للزكاة، مع كونه مستحَقا لهم.
فالذي يظهر عدم جواز بناء أو شراء مسكن من أموال زكوية، ثم جعل ريعه للفقراء المستحقين للزكاة على أنه الزكاة الواجبة، لما في ذلك من تعطيل وإيقاف لأصل هذا المال على صورة المسكن، وعدم وصولها لمستحقيها، والله تعالى أعلم.