عليه وسلم - في أمر مطلق لكل الأمة: (بَلِّغُوا عني و لو آيةً!) [1] . ومن هنا كان المجتمع الإسلامي كله جماعة دعوية بطبيعته، وحياة إصلاحية بفطرته. إنه مذ أعلن أنَّ محمدًا رسول الله، تقلد - بمقتضى عقيدة الاتباع - مهمة الدعوة إلى الله. فليس عبثا أن يحض النبي صلى الله عليه وسلم - بكل وسائل التحريض والتشجيع - على الدعوة إلى الخير والهدى، كما في قوله: (فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ!) [2] .
ومن هنا شهادة الله بالخيرية لهذه الأمة، في قوله تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ) (آل عمران:110) . إنها صفة عامة في كل من أسلم لله الواحد القهار، كل ينال منها على قدر طاقته ومسؤوليته.
لكن لا بد من بيان أن البلاغ اليوم في المسلمين ليس بلاغ (خبر) هذا الدين. فذلك أمر قام به الأولون. وما بقي اليوم صقع في الأرض لم تبلغه قصة الرسالة الإسلامية، على الجملة. وإنما المسلمون اليوم في حاجة إلى"إبصار". إبصار الحقائق القرآنية التي تتلى عليهم صباح مساء، وهم عنها عمون، على نحو ما وصف الله سبحانه في قوله: (وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ) (الأعراف:198) ، وقوله سبحانه: (وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ) (يوسف:105) . فالبلاغ الذي نحن في حاجة إليه إنما هو بلاغ التبصير، لا بلاغ التخبير.
وأما مادته فما ذكرناه من أصول الرسالة القرآنية، وبلاغات القرآن [3] : من اكتشاف القرآن العظيم، والتعرف إلى الله والتعريف به، واكتشاف الحياة الآخرة، واكتشاف روح الصلوات وحفظ الأوقات،
(1) أخرجه البخاري.
(2) متفق عليه.
(3) هي فصول كتابنا"بلاغ الرسالة القرآنية".