هذا هو المقصد الأساس من المدرسة القرآنية، والغاية الكبرى لبرنامج الربانية، والجامع المانع لمفهوم الفطرية. فمن أراد الإخلاص حقيقةً، وجب أن يتحقق بطريقة التخلق بمقامه، ومعراج الرقي إلى منزله، وإلا كان ممن يتمنى على الله الأماني! وليس لذلك دون مكابدة القرآن ومجاهدة النفس به من سبيل! وإنما الموفق من وفقه الله.
وأما الركن الثاني، فهو:
-الآخِرةُ غَايةً: وهو ميزان الداعية المؤمن لتقويم صفاء دينه، وبوصلته لضبط مسار دعوته. وما ارتبط شيء في كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما ارتبط ركن الإيمان بالله بركن الإيمان باليوم الآخر! على نحو ما في قوله تعالى: (ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) (البقرة: 232) . وهو في الكتاب والسنة أكثر من أن يحصى! إذ الإيمان بالآخرة هو حادي العبد إلى تحقيق منزلة الإخلاص في إيمانه بالله جل علاه. ولذلك كان هذا البيان النبوي العجيب في رسم طريق الآخرة للمؤمنين، قال عليه الصلاة والسلام: (مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللهُ غِنَاهُ في قَلْبِهِ، وجمعَ له شملَه، و أتته الدنيا وهي رَاغِمَةٌ! ومَنْ كَانَتِ الدُّنيا هَمَّهُ جعلَ اللهُ فَقْرَهُ بين عينيه! وفَرَّقَ عليهِ شَمْلَهُ! ولم يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إلاَّ مَا قُدِّرَ لَهُ!) [1]
فالحضور الأخروي الدائم في وجدان المؤمن يجعله آمنا من فتن الشهوات، ومن بريق الإغراءات، التي تفسد الدعوات وتدمر الحركات! وعدمُ العض على هذا المعنى العظيم في الإسلام بالنواجذ مُلْقٍ بالمرء - أنى كان موقعه الدعوي في العلم والعمل - إلى متاهات الضلال! ذلك أن قضية الحياة الآخرة هي جوهر العقيدة الإسلامية، ومآل العالم الوجودي كله!
(1) أخرجه الترمذي عن أنس مرفوعا. وصححه الألباني، حديث رقم: 6510 في صحيح الجامع.