المشتغلين بدعوته في الناس أجمعين، بما يقتضيه مفهوم الربانية من مقام إيماني عظيم، وفقه دعوي متين. ولذلك جعلنا لها برنامجا قرآنيا خاصا، استقريناه من مجموع الآيات الدالة على أخلاق الربانيين، وخصوص منازلهم الإيمانية، وما تقتضيه من العلم والحكمة، معزَّزًا بالبيانات النبوية، الرامية إلى تخريج أئمة الهدى في الدين.
وأما الركن الخامس، فهو:
-العلمُ طريقةً: وهو راجع إلى كون العلوم الشرعية أساسا، ومناهجها الاستدلالية والاجتهادية، وقواعدها النقدية والتأصيلية، هي المسلك الأساس لبناء علم الناس بالله وبدينه، عقيدةً، وشريعةً، وتربيةً وسلوكًا. فلا مكان في الفطرية للخرافية، ولا للأهوائية الشخصانية. ومن هنا وجب أن تحمل رسالات الفطرية، لكل المسلمين، الحد الأدنى من العلم الشرعي، الذي لا يُعبد الله إلا به، عقيدةً وشريعةً. وذلك هو المسمى عند العلماء بـ"المعلوم من الدين بالضرورة"، أو"ما لا يَسَعُ المسلمَ جهلُه". ثم تحرض - في الوقت نفسه - نبغاء الشباب على تحقيق واجب الوقت، من التفرغ لطلب العلم الشرعي، بشروطه التخصصية؛ وذلك لمد الأمة بأجيال العلماء الربانيين، على ما بيناه في كتابنا"مفهوم العَالِمِيَّةِ". فذلك هدف استراتيجي، وجب أن يكون عمودا فقريا، في كل مشروع دعوي، انتصب لتجديد الدين بصدق وبجدية. وما التوفيق إلا بالله.
وأما الركن السادس، فهو:
-الحكمةُ صبغةً: وهو صمام الأمان لسير العمل الدعوي. وقد كان غياب الحكمة سببا رئيسا في هلاك كثير من الدعوات واندثارها، أو انحرافها. والحكمة في العمل الدعوي هي:"اتخاذ الإجراء المناسب، في الوقت المناسب، بالقَدْرِ المناسب". فهي إذن راجعة - في النهاية - إلى كلمة واحدة جامعة هي: حُسْنُ التَّقْدِيرِ والتدبير.