فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 46

ويُتَحَقَّقُ منها بأمرين، أحدهما كسبي والآخر وهبي. فأما الكسبي فهو: الفقه في الدين بمعناه المنهجي، وخاصة منه ما يسمى عند الأصوليين بفقه"تحقيق المناط"عَامِّهِ وخاصِّه [1] ، ويدخل فيه فقه الأولويات وفقه الموازنات، وما يندرج فيهما من قواعد التدرج والتلطف والتترس.

وأما الوهبي فهو: راجع إلى التخلق بمقامات التقوى والورع، إذ هي سبب وضع المؤمن في منزلة التعرض لنفحات الله، التي تفتح البصائر وتنير السرائر. وهو معنى الفرقان في قوله تعالى: (يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إَن تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (الأنفال: 29) . وكذا قوله تعالى: (وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (البقرة: 282) . وفي هذا السياق أسند الله تعالى فعل إتيان الحكمة لنفسه تعالى؛ لنفي مطلقِ كسبيتها عن الإنسان، وهو قوله تعالى: (يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) (البقرة: 269) .

وقد كان شيخ المقاصد أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله - بما فتح الله له من العلم والحكمة - من أمهر العلماء الربانيين فقهًا لهذه الحقائق وتعبيرا عنها، بشقيها الكسبي والوهبي. وقد وردت عنه في ذلك إشراقات عجيبة، في نصوص شتى من كتابه الرائد الموافقات. ولنا أن نختار منها هذا النص الفريد، قال - رحمه الله - في وصف العالم الرباني الحكيم أنه: (لاَ يَذْكُرَ للمبتدئ من العلم ما هو حظ المنتهي! بل يربي بصغار العلم قبل كباره. وقد فرض العلماء مسائل، مما لا يجوز الفتيا بها، وإن كانت صحيحة في نظر الفقه!( ... ) وضابطه أنك تعرض مسألتك على الشريعة، فإن صحت في ميزانها؛ فانظر في مآلها بالنسبة إلى حال الزمان وأهله! فإن لم يؤد ذكرها إلى مفسدة؛ فاعرضها في ذهنك على العقول، فإن قبلتها فلك أن تتكلم فيها، إما على العموم إن كانت مما تقبلها العقول على العموم، وإما

(1) انظر تفصيل ذلك - إذا تشاء - في كتاب الموافقات للشاطبي: 4/ 97.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت