صلاته استقام له كل أفعالها وأقوالها؛ لِمَا لتلك من تأثير كبير على صلاح باقيها قولا وعملا؛ وبذلك تكون الصلاةُ وِرْدًا تربويا حقيقيا، ينهى صاحبَه عن الفحشاء والمنكر فعلًا، ويعرج به عبر منازل الإيمان. ولا معراج أسرع في الوصول إلى الله من الصلاة!
ومما يعطي للصلاة عمقَها الروحي عُمْرَانُ سجودِها - بعد التسبيح - بخالص الدعاء! وإنه لا يذوق معنى السجود حقا، ولا يستفيد من أنواره الفياضة على القلب، إلا مَنْ وَضَعَ جبهته على الأرض خاضعا لله، ومتذللا بين يديه تعالى بِأَحَرِّ الدعواتِ وأَخْلَصِهَا! وحَرِيٌّ بالمؤمن أن يذكر هَدْيَ النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك: وهو قوله عليه الصلاة والسلام: (أَقْرَبُ ما يَكُونُ العبدُ من رَبِّهِ وهو ساجدٌ؛ فأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ!) [1] وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (فأمَّا الركوعُ فَعَظِّمُوا فيهِ الرَّبَّ! وأمَّا السُّجُودُ فاجْتَهِدُوا في الدُّعَاءِ؛ فَقَمَنٌ أنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ!) [2] .
وأما التزام رباط الصلاة فإنما القصد به المساجد حيثما كانت. وذلك ببذل غاية الوسع لأداء الصلاة المفروضة بها. قال اللهُ جَلَّ عُلاه: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ) (النور:36 ـ 38) . ذلك ما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم (بالرباط) ، في حديثه المذكور قبل.
صيغ الأذكار اللسانية الواردة في السنة الصحيحة كثير، وللمؤمن أن يختار منها ما يشاء، على حسب حاجته وعلته، إذ لكل داء دواء. وهذا نوع من تحقيق المناط الخاص، كما عبر عنه الإمام الشاطبي رحمه الله. إلا أنه
(1) رواه مسلم.
(2) رواه مسلم. وقوله:"قَمَنٌ"، معناه: جَدِيرٌ، وحَرِيٌّ.