الصفحة 45 من 76

لكنّ بولس - الذي بدأ حياته مُضطهدا لعيسى عليه السلام و أتباعِه ثم آمن به في لحظة مُراجَعتِه لِذَاته، كَفرَ به في آخر أيّامه، لكن هذه المرّة ليس بُغضا لنبي النّاصرة عليه السلام و أتباعِه و لا حقدا عليه، بل عبدا مُستسلمًا لِسُلطانِ الإغراء. قال تعالى في أمثال ناس يبيعون آخرتهم بدنياهم:"وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ"الأعراف 176.قال المفسّرون:"وقوله تعالى"ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه"يقول تعالى"ولو شئنا لرفعناه بها"أي لرفعناه من التدنس عن قاذورات الدنيا بالآيات التي آتيناه إياها"ولكنه أخلد إلى الأرض"أي مال إلى"

زينة الحياة الدنيا وزهرتها وأقبل على لذّاتها ونعيمها.

فاستغلال بولس للإشاعات اليهودية المغرضة عن النّاصري عليه السلام جعل منه فارسا مغوارا في ميدان الوثنيين من الإغريق و الرّومان لِيَنْهَبَهُم - كما اعترف بعظمة لسانه - و يُطالِبَهم بنِصفِ ما يملكون إن قبلوا بدعوته 1.

ـــــــــــــــــــــــ

1 -قال بولس لأهل غلاطية (بتركيا حاليا) :"إن كنّا قد زرعنا لكم الروحيات أفعظيم إن حصدنا منكم الجسديات" (1 كو 9/ 11) . و يقول في رسالته إلى أهل غلاطية:"ليشرك الذي يتعلّم الكلمة معلّمه في كلّ خيراته التي يملكها" (غلا 6/ 6) . و يعني هذا أنّ بولس دائما سيكون مستفيدا إمّا بشكل مباشر أو غير مباشر. و قال أيضا:"فاعملوا كما تعمل كنائس غلاطية وكلّ أول أسبوع أخزنوا من أموالكم حتى لا يكون جمعكم عند قدومي" (1 كو 16/ 1 - 2) . و في 2 كو 11/ 8 - 9::"أذللتُ نفسي كي ترتفعوا أنتم لأنّي بشّرتكم مجّانا بإنجيل الله. نهبت كنائس أخرى آخذا أجرة لأجل خدمتكم".. و هو يدّعي أنّه يجمع الأموال إلى الحواريين عليهم السلام في أورشليم. و قد انتهى به المطاف إلى هناك و لم ينفق منها ملّيما

واحدا على الحواريين. بل كان غنيا إلى درجة أنّ فليكس حاكم اليهودية كان طامعا في ماله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت