وأما التجارب العربية الحديثة في تفصيح العامية فهي تجارب فردية وخواطر شخصية، فليست هناك دراسة علمية موضوعية ولا أكاديمية لهذا الموضوع، عبر هيئات رسمية أو علمية في مراكز البحث والجامعات العربية، ولربما أضحت العامية وآدابها والفنون الشعبية المتصلة بها زادًا للارتزاق ونيل شهادات، إذ الأبحاث التي تعالج باسم العامية في جامعاتنا أبحاث لا تسلط الضوء على العامية نفسها، بل تكتفي بتناول عنصر أو جزء منها، تناولا بعيدًا عن أهل الميدان والاختصاص.
إن عاميتنا هبة لسانية طبيعية مجانية، وتوظيفها اليومي في شتى المجالات والتعاملات توظيف يفوق توظيف الفصحى بشيء كثير، ودون عناء ولا بذل دينار واحد من أجلها، خلافًا لفصحانا التي توفر لها كل دولة عربية إمكانات مادية وبشرية هائلة، إلى جانب هياكل استقبال من مدارس وجامعات ومراكز، وإقامة مجامع أكاديمية ومجالس عليا، ... كل هذا من أجل تعليمها وإثرائها وترقيتها، ومحاولة تعميم استعمالها، وفي كل مرة نجد أنفسنا ندور في حلقات مفرغة، وكل ما ينجز فيها يبقى نظريًا.
إن عاميتنا ظاهرة من ظواهر التواصل اللغوي التي صمدت صمودًا شعبيًا وقوميًا، يدعونا إلى أخذ العبرة، ويلفت نظرنا إلى التفكير في إعادة النظر في هذا الموروث اللساني الأصيل، الذي ليس كل ما فيه نحسًا وشرًا بالنسبة للرؤية العربية الأحادية إيديولوجيًا، لأنه موروث يكتنز في أحشائه ذخائر لغوية فصيحة وتاريخية مهمة، ولذلك كان المحتل غبيًا حين تصدى إلى مقاومة الفصحى، وهي لغة مفبركة، أو اصطناعية بالنسبة إلينا، وسها عن العامية، وهي لغة طبيعية وجبلة فينا.