وأول إشكال يطرح؛ يتعلق بهذا المستوى الشعبي العريض من التبليغ، أي حول تحديد هويته والاعتراف به أو رفضه لأنه مستوى يعمل على زيادة الطين بلة بالنسبة للهوية الوطنية الواحدة.
إن الذين يدعون إلى التخلي عن الفصحى والتحول إلى العامية، يستندون في دعوتهم إلى تشبيه العربية باللاتينية قائلين: «إن حالة العربية الفصحى الآن، لا تختلف عن حالة اللاتينية الكلاسيكية قديمًا، فمصيرها سيكون شبيها بمصير اللغة المذكورة حتمًا» 51. والتي ولَّدت لغات أوروبية عامية، ما لبثت بعد قرون أن تحولت إلى لغات علم وأدب، بينما اللاتينية الأصلية قد أمَّحَتْ واندثرت، بعد ان كانت لغة العلم والأدب في معظم بلاد الغرب.
وفات هذا الرأي أن اللغة العربية موروث لساني بدوي، ولم يكن تكلمها حكرًا على طبقة اجتماعية راقية دون طبقات أدنى من ذلك، على عكس اللاتينية التي انتشرت شفاهيا، كان لا يتكلمها إلا الطبقات الأرستوقراطية، ولا يحسنها إلا النخب الممتازة من القوم، وكان حالها بمثابة حال فصحانا اليوم، «ومن الطبيعي أن اللاتينية الكلاسيكية بقيت ـ خلال هذا الانتشار ـ كما هي: بمفرداتها وقواعدها الصرفية والنحوية المدونة في الكتب، ولكن اللاتينية العامية لم تسلم من التغير والتحول، لأنها كانت تنتقل وتنتشر عن طريق المشافهة وحدها، فكان من الطبيعي أن تتأثر ـ خلال هذا الانتشار ـ من خصائص اللغات المحلية القديمة، ولا سيما من أساليبها الصوتية» 52.