أصحاب السلطان خرج عن طبع العامة، فإذا أخذته في الشعر والغريب ومذهب الفراء والكسائي رأيت من لا يفي به أحد، ولا يتهيأ له الطعن عليه» 41.
والأمثلة في تعدد المستويات داخل العربية الفصحى أكثر من أن تحصى وتحصر، وكل من وقف على نماذج من الموروث اللساني العربي القديم يدرك هذه الحقيقة ويقربها، ولا يلتفت في كل مرة إلى تعسف القدماء وتضييقهم على العامة، فالناس ليسوا كلهم مثل الأصمعي الذي كان لا يجوِّز إلا أفصح اللغات، وكيف لا يكون من حقه ذلك، وهو الذي كان يجيب في ثلث اللغة، أو أبي عبيدة الذي كان يجيب في نصفها، أو ... أبي زيد الأنصاري الذي كان يجيب في ثلثيها، أو أبي مالك عمرو بن كركرة الذي كان يحفظ العربية كلها؟ 42.، فمثل هؤلاء يحق لهم أن يُضيقوا ويَلِجّوا ويمْحكوا ويتشددوا، لكن ذلك مع اللغة في ذاتها ولذاتها قد يكون محمودًا أو مقبولًا، لكنه غير مسوّغ مع كل طبقات المتلقين، وخاصة المتعلمين أو حتى خاصة الخاصة، من هذا عتاب الرشيد للأصمعي وكان قد استبطأه، فقال الأصمعي: «ما أَلاَقَتْنيِ أرض حت رأيت أمير المؤمنين، فلما خرج الناس، قال: ما معنى ألا قتني؟ قلت: ما ألصقتني بها ولا قبلتني، فقال: هذا حسن، ولكن لا تكلمني بين يدي الناس إلا بما أفهمه حتى أجد جوابه، فإذا خلوتُ فقل ما شئت، فإني أسألك عما لا اعلم، وإنه يقبح بالسلطان ان يسمع مالا يدري» 43.