الصفحة 21 من 50

الطبقات، واللغة والآداب، يهجون فيها النحاة وينددون بما أحدثوه من قواعد، لم يسبق لهم أن سمعوها، وهي تجري على ألسنتهم طبعا وجبلة، كأنهم اعتبروا أن وضع شيء من الصناعة النحوية إيذان بوفاة تلك اللغة الشفهية الطبيعية، لأنه من المؤسف في حق اللغة الشفهية العربية «إن اللغة الخطية عملت على قوقعتها والحد من تفتحها، وقلت من إبداعها، وأشلت حركة تطورها، وحدت كثيرًا من حريتها، فحكمت عليها بالطبقات الاجتماعية والشعبية، وصنفتها تصنيفًا جائرًا وفق مستويات راقية ومنحطة، وتكلمات فصيحة، وأخرى دميمة مطروحة، وكأن اللغة شكل مادي يعشق فيوصل، أو ينفر من محياه فيهجر» 39.

وكان ثعلب ممن يرى أن العرب تخرج الإعراب على اللفظ دون المعاني، وأن الإعراب حتى ولو دخل اللفظ فإن دخوله لا يفسد المعنى، لأنه إذا كان الإعراب مما يفسد المعنى فليس ذلك من كلام العرب، لأنه لم يوجد في خطاب العرب الموروث ولا أشعار الفحول إلا ما المعنى فيه مُطبِّق للإعراب، والإعراب مطبِّق للمعنى، مشيدًا بأستاذه الفراء (206 هـ) الذي حمل العربية على الألفاظ والمعنى، فبرع خلافًا لسيبويه الذي عمل كلام العرب على المعاني، ولذا فهو لا يعيب الفراء الذي دخل على الرشيد فتكلم كلامًا لحن فيه مرات، لأن حجة الفراء أن طباع أهل البدو الإعراب، بينما طباع أهل الحضر اللحن، «فإذا تحفظت لم ألحن، وإذا رجعت إلى الطبع لحنت» ، مما جعل الرشيد يستحسن كلامه.

وفي الاتجاه السابق نفسه نجد بعض العلماء يحكي عن ثعلب قائلا: «ولم يكن مع ذلك موصوفًا بالبلاغة ولا رأيته إذا كتب كتابًا إلى بعض

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت