في القراءات السبع والعشر والأربع عشرة بله القراءات الشاذة، بل بقيت حية في خطاب العرب عاميه وفصيحه، سواء شعرنا بذلك أم لم نشعر، ولكنا لا نزعم أن الظواهر الصوتية لم تتغير وبقيت صورتها الصوتية السمعية نسخة طبق الأصل لها دونما تبديل.
وهذه التراكيب وغيرها لتدل دلالة تقودنا إلى الاعتقاد الذي لا مرد له؛ بأن الخطاب اللغوي العام بالنسبة للعربية الكلاسيكية لم يكن كله ـ كما سبق أن ألمحنا ـ على نسق واحد من الفصاحة الشريفة والأداءات المتميزة لصورة موحدة بين طبقاتها المتواصلين بها.
وأعتقد ان العربية مهما أحاطها علماؤها الأجلاء من إثراء وتقديس، فهي في النهاية لا تتناقض نواميسها مع أية لغة إنسانية أخرى، وفي أي عصر من عصورها، مما ييسر لنا القول بأن داخل الفصحى نفسها مستويات مشروعة، قد يكون بعضها أفصح من بعض، إذا جعلنا الأفصح من خاصة الخاصة أو الطبقات النبيلة الشريفة، والفصيح من عامة العامة أو الطبقات الدنيا من المجتمع، ولكن هذا التحديد إذا صدق على صفات العرب النفسية وأحوالهم الشخصية، فإنه لا يصدق بتاتًا على لغتهم، لأن الطبقات النبيلة من كانت ترسل أبناءها إلى البادية موئل الجبلة والطبع.
وبكلمة أخرى، لا يمكن لما هو فصيح أن يتحدد إلا بمقابلته بما هو غير فصيح، فضلا عما هو عامي، وسنكون من العقوق بمكان إذا لم نحل إحالة لا تخلو من إشارة اعتراف وتقدير على جهود علمائنا الفطاحل، الذين سبقونا إلى تناول وعلاج ما نحن فيه، علاجًا لا نرقى نحن اليوم إليه إلا حلمًا.