المَقصودِ في هذا السِّياقِ، وهو نقلُ الكلامِ بالتزامِ الإتيانِ بِألفاظِ المنقولِ مِنه التِزامًا كاملًا أمينًا. فقد اقترنت"المباشرةُ"- في العربيَّةِ المُعاصِرَةِ - بدلالةِ قيامِ الشخصِ بحدثٍ يَلي حَدَثًا آخَرَ بسرعةٍ. يُقالُ في أيّامِنا:"فعلتُ الشيءَ مُباشَرَةً"، أَيْ: بسرعةٍ دونَ إِبطاءٍ أو فاصلٍ زمنيٍّ. وهي - فيما يَبدو- دلالةٌ مُستحدَثَةٌ لم تعرفْها العربيَّةُ في العصورِ القديمةِ، اتِّكاءً على المُدَوَّنةِ المُعجميَّةِ الواصلةِ إِلينا [1] .
4 -أنَّ في مصطلحِ"حكاية الكلام"تجاوزًا لخلافٍ قد يَنشأُ بينَ طائفةٍ مِن أهلِ العربيَّةِ في زمانِنا، حولَ الصِّحَّةِ اللغويَّةِ للتعبيرِ:"نقلتُ الكلامَ مُباشَرَةً". فهو مِن بنيةٍ تركيبيَّةٍ لم تألفها العربيَّةُ في الرّاجِح. بل المَعهودُ أَنْ تأتيَ"المُباشَرَةُ"في تركيبٍ مِن شاكلةِ:"باشَرَ الأَمرَ مُباشَرَةً"، بِمَعنى:"وَلِيَهُ بنفسِهِ" [2] . ولكنْ - بطبيعةِ الحالِ- على اختلافِ دلالةِ التعبيرَينِ اختلافًا واسِعًا.
ويُقابِلُ"الحكايةَ"- حينَ الحديثِ عن عمليَّةِ نقلِ الكلامِ- مصطلحُ"الإخبار"Indirect Speech، الذي يَعني نقلَ الكلامِ بتحويرِهِ وحَرفِهِ عن أصلِ مادَّتِهِ، والتصرُّفِ فيهِ بتغييرِ ألفاظِهِ مع الإبقاء على جوهرِ المعنى الذي أرادَهُ صاحبُهُ (أي المنقول مِنه) . ولقد قصدنا إلى هذا المصطلح"الإخبار"، اعتِمادًا على أنَّ الفعلَ (أخبَرَ) يُشيرُ في العربيَّة وغيرِها إلى نقلِ الكلامِ بالمعنى دونَ اللفظِ، إذ الحكايةُ أو المُطابَقَة معه مُنعَدِمةٌ.
والذي رَسَّخَ استقرارَنا على مصطلحي"الحكايةِ"و"الإخبار"كلامٌ لبرجشتراسر، يَدْعَمُ ما نَحنُ بإِزائِهِ، قالَ فيهِ:"وإلحاقُ الكلامِ المَحكيِّ بفعلٍ مِن"
(1) . انظر: ابن منظور، لسان العرب: (بشر) .
(2) . انظر السابق نفسَه. وانظر: محمد العدناني، معجم الأخطاء الشائعة: ص 38.