ويبدو صحيحًا القولُ: إِنَّ العربيَّةَ كانت في عهودٍ قديمةٍ تُخْلِصُ (إِنَّ) للكلامِ المُلتزَمِ فيه تأديةُ الألفاظِ كما قالَها صاحبُها، فيما كانت تُخَصِّصُ (أَنَّ) -في إِزاءِ ذلِكَ- لنقلِ الكلامِ بالتزامِ تأديةِ معناه دون الإتيانِ بألفاظِ القائِلِ الأصليِّ نفسِها. ولعلَّ شيئًا مِن هذا يُسْتَفادُ مِن بابٍ لِ (إِنَّ) أثْبَتَه سيبويه في كتابِهِ وقالَ فيه:"تَقولُ: قالَ عمرٌو إِنَّ زيدًا خيرٌ مِنك، وذلك لأَنَّك أَرَدت أَنْ تَحكيَ قولَهُ، ولا يَجوزُ أَنْ تُعْمِلَ (قالَ) في (إِنَّ) ، كما لا يَجوزُ لك أَنْ تُعْمِلَها في (زيدٌ) وأَشباهِهِ إِذا قلت: (قالَ زيدٌ عمروٌ خيرُ الناسِ) ، فـ (أَنَّ) لا تَعملُ فيها (قالَ) كما لا تَعمَلُ (قالَ) فيما تَعملُ فيهِ (أَنَّ) ، لأنَّ (أَنَّ) تَجعَلُ الكلامَ شأنًا، وأنت لا تَقولُ: (قالَ الشأنَ متفاقمًا) ، كما تَقولُ: (زَعَمَ الشأنَ متفاقِمًا) . فهذه الأشياءُ بعدَ (قالَ) حكايةٌ. ومثل ذلك: وَإِذْ قالَ"
(1) . بغية الوقوفِ على نوعي الربطِ الإدماجيِّ والتوفيقيِّ، ومعرفة خصائص كلٍّ، انظر: عمر يوسف عكاشة، النحو الغائب: دعوة إلى توصيفٍ جديد لنحو اللغة العربية في مقتضى تعليمها لغير الناطقين بها، ص 296 - 307.
(2) . سَبَقني إلى هذا الرأي"هنري فليش"ولكنْ في حقِّ"أنْ"المفسِّرة. انظر: هنري فليش اليسوعي، العربية الفصحى: نحو بناء لغويّ جديد، ص 169. وانظر: إسماعيل أحمد عمايرة، بحوث في الاستشراق واللغة: ص 440.