موسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحوا بَقَرَةً [1] . وقالَ أَيضًا: {قالَ اللهُ إِنّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُم} [2] . وكذلك جميع ما جاءَ مِن ذا في القرآن" [3] ."
وقد يُنْظَرُ إلى مَزِيَّةِ تخصيصِ (إِنَّ) أداةً لنقلِ الكلامِ المَحْكِيّ، بوصفِها مَحْمَدةً للعربيَّةِ في مراحلِها القديمةِ. ذاكَ أنَّها تنبئُ عن دقَّةٍ في الإيماء إلى ما كانَ مِن الكلامِ منقولًا بنصِّهِ ولفظِهِ، ومَيزِهِ عمّا نُقِلَ بمعناهُ دونَ لَفْظِهِ في مِثْلِ (ذَكَرَ أَنَّ، أخبَرَ أَنَّ) . خاصَّةً إذا كانَ صحيحًا أَنَّ اللغاتِ الأخرى تَخْلو مِن نظيرٍ لـ (إنَّ) . إذ على كثرةِ تَطوافي بين معلِّمي اللغاتِ المختلفةِ ومتعلِّميها، الحيَّةِ منها والمندثرةِ، فإنَّني لم أَجِدْ لغةً تتوسَّلُ بأداةٍ تُخَصِّصُها لغايةِ نقلِ الكلامِ نقلًا حكائيًّا.
ولكنْ في المقابِلِ، إِخالُ أَنَّ تِلْكَ الخصيصةَ"المُفتَرَضَةَ"لم تَدُمْ للعربيَّةِ، فقد مالَت اللغةُ إِلى تَجاوُزِ (قالَ إِنَّ) ، بالكسرِ، والتخلُّصِ منها في مَراحلَ مِن اللغةِ لاحقةٍ. إِذ لا نَكادُ نعثُرُ في العربيَّةِ الفصحى المعاصِرة [4] ، الشفاهيَّةِ منها والكتابيَّةِ، على (قالَ) متبوعةً بـ (إنَّ) يليهِما كلامٌ إِنْ مَنقولًا باللفظ، وهو النمطُ الذي يأتي على وفاقِ:"قالَ إنّي عبدُ اللهِ"، أو مَنقولًا بِالمَعْنى. بل إِنَّ أكثَرَ المَرْصودِ فيها - خاصَّةً ما أصابَ مِنها المستوى الشفاهيَّ- أَنْ يُجاءَ بعدَ (قالَ) بـ (أَنَّ) مَفتوحةِ الهمزة.
ويَحْدُثُ كثيرًا أَنْ إِذا وَلِيَ (قالَ) في العربيَّةِ المكتوبةِ المعاصرةِ، كلامٌ مِن سبيلِ النقلِ الحرفيّ، فهو لا مَحالةَ وارِدٌ على شاكِلَةِ ما يَرِدُ عليهِ هذا النمطُ في المَكتوبِ مِن اللغاتِ الحَيَّةِ المختلفةِ، وهو أنُ يُثبِتَ الناقلُ (الكاتبُ) فِعْلَ القولِ
(1) . البقرة 2: 67.
(2) . المائدة 5: 115.
(3) . سيبويه، الكتاب: 3/ 142.
(4) . أعني بالعربيَّة الفصحى المعاصرة (Modern Standard Arabic) اللغةَ التي يَكتب بها المثقفون العرب في أيّامنا هذه، وهي النمط اللغويّ المُستعمَل - مثلًا - في نشرات الأخبار والصحافة.