فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 451

وقد كانت الأمة رائدة قائدة عند ما كان غرتَها العلماءُ وطليعتَها الراسخون وحاميتها المجتهدون وكان الموفق من قادة الأمة من يصغى إلى نصحهم ويعمل بمشورتهمويعرف مراتبهم وأقدارهم وينزل كلاًّ منهم منزلته اللائقة ولا يروج عليه بهرج الدعاوى العريضة.

بل: تعدى وعظ أهل العلم عصورهم وأمصارهم مخترقًا حواجز الزمان ومن ذلك ما قاله بعض الفضلاء:

مررت بقبر ابن المبارك غَدوةً * فأوسعني وعظًا وليس بناطق

وقد كنتُ بالعلم الذي في جوانحي * غنِيًّا وبالشَّيْب الذي في مفارقي

ولكن أَرَى الذِّكْرى تنبه عاقلًا * إذا هي جاءت من رجال الحقائق [1]

ثم بدأ الناس ينسلخون عن تلك المعاني بتصدير الجهال وتزكيتهم، فتقدم المحافلَ من تعالَم قبل أن يتعلم وتزبَّب قبل أن يتحصرم، وتصدر قبل أن يتبحر (فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) [2] .

ولأنه لا يقدر قدر أهل العلم إلا أهل العلم، فلا ينتظر ممن ذلك حاله إلا أن يعيِّر مادرُه حاتمَه بالبخل، ويعيِّر سهاه شمسه بالظلمة، ويعيرَ باقلُه قسّه بالعيِّ والحَصَر:

إذا وصف الطّائيَّ بالبخل مادرٌ * وعيّر قسًا بالفهاهة باقلُ

وقال السُّهى للشمس أنت ضئيلةٌ * وقال الدُّجى للصُّبح لونك حائل

وطاولتِ الأرض السَّماء سفاهةً * وفاخرت الشُّهب الحصى والجنادل

فَيَا مَوْتُ زُر إنَّ الحياة ذميمةٌ * ويا نفس جدّي إن دهرك هازل [3]

(1) -قال أبو الفضل عمر الحدوشي: (انظر:(سير أعلام النبلاء) (8/ 419/420/رقم:112) الطبقة السابعة، ترجمة ابن المبارك).

(2) -قال أبو الفضل عمر الحدوشي: (سبق تخريجه بتوسع) .

(3) -قال أبو الفضل عمر الحدوشي: (من قصيدة:"فَيَا مَوْتُ زُر إنَّ الحياة ذميمةٌ"لأبي العلاء المعري.

إذا عيَّر مادرٌ-وهو أبخل العرب-حاتمًا الطائي وهو أكرم العرب، وعير قسًا بالفهاهة باقل: وقس بن ساعدة أخطب العرب، وباقل أعيا العرب لا يتكلم، يقولون: كانت أمه تلقنه اسمه في أول النهار فينساه مع الظهر، فتخيلوا باقلًا يسب قسًا ويقول: قس بن ساعدة لم يكن فصيحًا، فهل باقل هذا فصيح؟! (وقال السها للشمس أنت كسيفة) : السُّهى-بضم السين-هو اسم لكوكب صغير خفي، يقول للشمس: أنت كسيفة، من الكسوف أي: ضوؤك ضعيف، (وقال االدجا) ، أي: الليل (للبدر وجهك حائل) متغير ... ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت