فهرس الكتاب
وفي مثل هذا الجو المفعم بالجهل والتجاهل تستوي الأسافل والأعالي، ويراد للبحور أن تستقي من الركايا، مما يطيب معه عند القاضي عبد الوهاب منادمة المنايا:
متى تصل العطاش إلى ارتواء* إذا استقت البحار من الركايا
ومن يثني الأصاغر عن مراد* إذا جلس الأكابر في الزوايا
وإنَّ تَرفُّع الوضعَاء يومًا*على الرُّفَعَاء من إحدى الرَّزايا
إذا استوتِ الأسافلُ والأعالي* فقد طابت منادمة المنايا [1]
في هذا المهيع المعبد، والطريق المذلل بأقلام الصادقين من أهل العلم، وفي هذا السياق يطيب لي أن أكتب هذه الحروف طليعة لذلك العِلق النفيس، الذي جمع فيه صاحب الهمة الطامحة، والقريحة الطافحة، لأخينا وحبيبنا الشيخ عمر الحدوشي الذي تنبه لذلك الخطر الداهم، فانتضى قلمه، وتوشح دفتره، فنظم ببنانه ما انتظم في نصوص الوحيين، وأدبيات القرون المزكاة من آداب وحكم وفضائل تحلى بها أهل العلم قديمًا وحديثًا، وبين أن من أهم مقاصد الشريعة: (مقصد حفظ العرض) ، وأن تأكد ذلك يزداد بزيادة مستوى حامل ذلك العرض، فلذلك كانت أعراض
(1) -قال أبو الفضل عمر الحدوشي:(هذه الأبيات للقاضي عبد الوهاب المالكي المتوفى سنة:422 هـ، وقد خمس هذه الأبيات بعضهم فقال:
أترجو أن تبل صدى رجائي * ببحر كالسراب لعين راء
فوالهفي لآمال ظماء * متى تصل العطاش إلى ارتواء
إذا استقت البحار من الركايا
تصدرت الصغار بكل ناد * وسادت في الكبار بلا سداد
وقد آل الصلاح إلى فساد * فمن يثني الأصاغر عن مراد
إذا جلس الأكابر في الزوايا
علام تسومني بالذل سومًا * ولم تقبل لي الأيام لومًا
فكم وضعت من الوضعاء قومًا * وإن ترفع الوضعاء يومًا
على الرفعاء من أدهى الرزايا
تساوى الناس منخفض وعال * وذو نقص يعد كذي كمال
فزر يا موت أرباب المعالي * إذا استوت الأسافل والأعالي
فقد طابت منادمة المنايا).