فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 451

وحفظ العِرض أحد الضروريات الخمس التي شرعت من أجلها الشرائع، ولهذا كان التنابز باللقب حرامًا، وقديمًا قيل:

وكنية بالأب، أو: بالأمِّ * ولقبٌ بالمدح، أو: بالذمِّ

لأن الهمز واللمز والغمز والتنابز من صفة المنافقين، وقد قال الشاعر:

إنَّ المنافق معلوم سجيته * همزٌ ولمزٌ وإيماءٌ وإغماضُ

وقال الإِمَام مُحَمَّد البَشِير الإِبْرَاهِيمِي: (من سنن العرب: أنهم يجعلون الاسم سمة للطفولة، والكنية عنوانًا على الرجولة، لذلك كانوا لا يكتنون إلا بنتاج الأصلاب، وثمرات الأرحام من بنين وبنات، لأنها الامتداد الطبيعي لتاريخ الحياة بهم، ولا يرضون بهذه الكُنى والألقاب الرخوة إلا لعبيدهم [1] ، وما راجت هذه الكُنى والألقاب المهلهلة بين المسلمين إلا يوم تراخت العرى الشادّة لمجتمعهم، فراج فيهم التخنّث في الشمائل، والتأنّث في الطباع [2] ، والارتخاء في العزائم، والنفاق في الدين؛ ويوم نسِي المسلمون أنفسهم فأضاعوا الأعمال التي يتمجّد بها الرجال، وأخذوا بالسفاسف التي يتلهّى بها الأطفال، وفاتتهم العظمة الحقيقية فالتمَسوها في الأسماء والكُنى والألقاب؛ ولقد كان العرب صخورًا وجنادل يوم كان من أسمائهم صخر، وجندلة، وكانوا غصصًا وسمومًا يوم كان فيهم مرّة وحنظلة؛ وكانوا أشواكًا وأحساكًا يوم كان فيهم قتادة وعوسجة.

فانظر ما هم اليوم، وانظر أيّ أثر تتركه الأسماء في المسمّيات، واعتبر ذلك في كلمة: (سيدي) وأنها ما راجت بيننا وشاعت فينا إلا يوم أضعنا السيادة، وأفلتت من أيدينا القيادة، ولماذا لم تشِع في المسلمين يوم كانوا سادة الدنيا على الحقيقة؛ ولو قالها قائل لعمر لهاجت شرّته، ولبادرت بالجواب دِرّته) [3] .

(1) -وما أجمل قولَ مصطفى صادق الرفاعي:

وما عجَبٌ أن النساء ترجلتْ * ولكنَّ تأنيثَ الرجال عُجابُ

(2) -انظر: (آثَارُ الإِمَام مُحَمَّد البَشِير الإِبْرَاهِيمِي) (1/ 803) جمع وتقديم: نجله الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، من مطبوعات: دار الغرب الإسلامي.

(3) -قد قيلت لأبي بكر، وعمر، وبلال وغيرهم، وإن كان العظيم لا يحتاج إلى زيادة ألقاب، ولكنهم ما قالوا لمنافق، بله لِكافر أما في زماننا فالسيادة تقال لمنافق ولكافر ولملحد، ولمجوسي وغيرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت