الصفحة 10 من 118

وبدهي أن يكون الشافعي إماما وحجة في اللغة كما قال أحمد وابن هشام -صاحب السيرة-: الشافعي حجة في اللغة" [1] لأن من شروط المجتهد المطلق أن يكون كذلك، وإن خالف في هذا بعض الأصوليين كالشاطبي وغيره، بيد أن هذا الشرط قد تحقق في الشافعي، ولهذا فاعتراض بعضهم على بعض أقوال وتفسيرات الشافعي غير صحيحة، ونضر مثالين على ذلك"

الأول: مسألة حرف الجر هل يفيد التبعيض أو لا، فنقل عن الشافعي إلى أنه يفيد التبعيض، فشنع عليه بعض الأحناف والمالكية وغيرهم وقالوا: إن هذا المعنى مما لا تعرفه العرب في حرف الباء بدليل أن علماء اللغة لم يذكروه من معانيه، بل ادعوا إجماع النحاة على ذلك، وهذا ما أخذ به ابن مالك في الألفية كما يظهر منها إذ لم يعد في ألفيته هذا المعنى.

والجواب على ذلك أن يقال إن كون النحاة لم يثبتوا هذا المعنى للباء مقابل بإثبات الشافعي له وهو حجة في اللغة، والمثبت مقدم على النافي كما هو معلوم، وكون الشافعي إماما في الفقه لا يعنى جهله باللغة، بل معرفة اللغة من شروط الاجتهاد، فالاحتجاج بقول الفقيه النحوي مقدم على قول النحوي فقط، لأن للفقهاء تدقيقات لا يدركها النحاة، وهذه لفتة مهمة ينبغي التنبه لها، ولهذا نجد تقسيمات وتدقيقات من الأصوليين في مسائل نحوية لم يذكرها النحاة والسبب كما قال الزركشي في مقدمة كتابه الماتع البحر المحيط:"فإن الأصوليين دققوا النظر في فهم أشياء من كلام العرب لم تصل إليها النحاة ولا اللغويون , فإن كلام العرب متسع , والنظر فيه متشعب , فكتب اللغة تضبط الألفاظ ومعانيها الظاهرة دون المعاني الدقيقة التي تحتاج إلى نظر الأصولي باستقراء زائد على استقراء اللغوي" [2] .

وأنبه هنا إلى نقطة مهمة وهي أن كون الرجل يشتهر بعلم ما لا يعني هذا بالضرورة جهله ببقية العلوم، بل قد يكون إماما فيها أيضا مساويا أو متفوقا على الأئمة المتخصصين فيها، ولكنه -فضلا من الله- أشد معرفة وعمقا في بعضها، فلا

(1) الوافي في الوفيات 1/ 2762

(2) البحر المحيط 1/ 23

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت