وكان إماما في اللغة غير مدافع فقال: هي لغة حمير" [1] ، ولست أدري لماذا يتعجل البعض في الإنكار على أولي العلم ممن هم أعلى منه عصرا ورتبة دون أن يتروى ويتأمل فيما يقوله ويبحث في المسألة من جوانبها، ويرجع إلى أهل الاختصاص، فالتعجل قد يودي بصاحبه خاصة إذا كان من عالم، ثم أين حفظ أقدار علماء الأمة ومجتهديها؟ إنه إذا لم يتبدى هذا في احترام أقوالهم وإن كان الصواب في غيرها من وجهة نظر الناقد لكن لا يعني هذا التشنيع على الإمام وإطلاق العبارات الموهمة والتي تفهم أتهامه له بالجهل ونحوه."
ثم إن ابن العربي وأمثاله بالنسبة للشافعي بمثابة طلبة علم يل لا يرتقون لمرتبة تلاميذه، وطالب العلم ليس له إلا أن يستفتي أولي العلم ويقلدهم أو يبحث في المسألة بنفسه حتى يترجح له شيئ مع حفظ مقام المجتهدين وكونه رجح قولا ما لا يعني هذا بلوغه مرتبة الاجتهاد، فلا يظنن أحد بنفسه ذلك إلا إن بلغها حقا وتوفرت شروطها.
إننا عندما نطالب العامي باحترام العالم وتوقيره لا نقصد العالم لذاته وإنما للعلم الذي يحمله، فحري بأهل العلم أن يتمثلوا هذا الأدب قبل غيرهم.
لقد كان لبروز الشافعي في اللغة واختلاطه بالعرب الأقحاح أن تفتقت قريحته الشعرية فأثر عنه بعض الأبيات، والتي تميزت بالحكمة والوعظ، والزهد، فكانت أشعار عالم يريد أن يوجه همم الناس لما هو أرقى وأنفع لهم في دينه ودنياهم، ولم يعر باله موضوعات الشعر الأخرى، أضف إلى أنه لم يكن يعتني بسبك الشعر على منوال الشعراء الذين يهتمون بوجوه البلاغة وهذا وإن كان طيبا إلا أن الشافعي بصفته فقيها لم يكن يولي هذا جانبا كبيرا في شعره بل كان أكثر ما يهمه هو إيصال الفكرة وتجليتها بأوضح عبارة بحيث لا تحتاج إلى تأمل فيصعب فهمها على من ليس له اهتمام شعري وهذا ما عليه غالب العامة، ولهذا سارت بعض أبياته مسار الأمثال التي يحفظها الكثيرون، وكانت كلماته الشعرية الجامعات مثار إعجاب وتأثير في نفوس الناس، رغم أن من القصائد العربية ما تفوق شعر الشافعي صناعة بمفاوز ولكنها لم تحظ بما حظيت به أبيات هذا الإمام.
(1) فتح القدير 1/ 631